
للمرة الأولى وجه مسئول مصري الأربعاء (18 فبراير 2015) اتهاما صريحا لقطر بأنها “تدعم الإرهاب”، وقال السفير طارق عادل، مندوب مصر الدائم لدى الجامعة العربية، إن “تحفظ قطر على الفقرة الخاصة بحق مصر في الدفاع الشرعي عن نفسها، في بيان الجامعة العربية لدعم مصر بعد مقتل مواطنيها في ليبيا، هو “موقف داعم للإرهاب”.. وأضاف مندوب مصر الدائم في جامعة الدول العربية “لم يشذ عن الإجماع العربي في هذا الخصوص سوى قطر التي تحفظت على الفقرة الخاصة بحق مصر في الدفاع الشرعي عن نفسها، وتوجيه ضربات للمنظمات الإرهابية التي اقترفت هذا العمل.. التحفظ القطري ليس مستغربا لأنه يؤكد مرة أخرى خروج قطر عن الإجماع العربي فيما يتعلق بالحفاظ على العمل العربي المشترك وحق وسيادة الدول العربية بما في ذلك ما قامت به مصر.. موقف قطر التي دأبت على اتخاذ هذه المواقف المناوئة لمصر إنما يؤكد انعزالها التام في الجامعة العربية بخروجها عن الإجماع العربي.. ووفقا لقراءتنا في مصر لهذا التحفظ القطري فقد بات واضحا أن “قطر كشفت عن موقفها الداعم للإرهاب”.
بعدها انتقد مجلس التعاون الخليجي اتهام مصر لقطر بدعم الإرهاب، وأعرب الأمين العام لمجلس التعاون، عبد اللطيف بن راشد الزياني، في بيان عن رفضه للاتهامات التي وجهها مندوب مصر الدائم لدى جامعة الدول العربية إلى قطر، واعتبرها “باطلة تجافي الحقيقة وتتجاهل الجهود المخلصة التي تبذلها دولة قطر مع شقيقاتها دول مجلس التعاون والدول العربية لمكافحة الارهاب والتطرف” وقال إن مثل هذه التصريحات “لا تساعد على ترسيخ التضامن العربي”، ثم عاد الزياني الخميس (19 فبراير) ونفى ما نسب إليه حول العلاقات الخليجية المصرية، وقال إن دول مجلس التعاون تسعى دائما إلى دعم ومؤازرة مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في كافة المجالات، مشيرا بهذا الخصوص إلى اتفاق الرياض واتفاق الرياض التكميلي، وأكد الزياني وقوف دول المجلس التام مع مصر في محاربة الإرهاب، ودعم كل ما تتخذه مصر من إجراءات عسكرية ضد الجماعات الإرهابية في ليبيا، بعد العمل البربري الذي قام به تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بذبح 21 قبطيا مصريا في الأراضي الليبية، وأن ما قامت به مصر حق أصيل من حقوق الدول في الحفاظ على أمنها واستقلالها وسلامة مواطنيها.
ما قرأته للتو هو مجرد مقدمة لمقال اختار “جورنال مطروح” ترجمته وإهداءه إلى أمين مجلس التعاون الخليجي، الذي قد يمنعه الحياء والتوازنات أن يقول ما قاله المندوب المصري صراحة في جامعة الدول العربية، ويهدي “جورنال مطروح” المقال أيضا إلى كل الذين لا يرون في أحداثنا الداخلية ظلالا خارجية، بل وربما “فاعلين خارجيين”.. المقال لرئيس تحرير مجلة “زينيت” الألمانية المتخصصة في شئون العالم العربي والشرق الأوسط عن أمير قطر الحالي تميم بن حمد آل ثاني، يلقي فيه الضوء على طبيعة السياسة الخارجية لإمارة قطر، معتمدا على الوقائع لا على “لي عنق الوقائع” وفقا للهوى والغرض.. ورغم أن المقال كتب منذ فترة، ولا يقدم تفاصيل كثيرة فيما يتعلق بدور قطر في تمويل وتسليح المجموعات “الإرهابية” باسم الدين في ليبيا تحديدا، إلا أنه مجرد عينة يمكن أن نقدمها دليلا على رؤية “آخرين محايدين” لأمير قطر الحالي والسابق ودورهما في دعم الإرهاب.

دانيل جيرلاخ رئيس تحرير مجلة “زينيت” الألمانية
تميم آل ثاني، 34 عاما، هو حاكم دولة عجيبة.. قطر لا يتجاوز عدد مواطنيها 250 ألف مواطن، وتتمتع بعلاقات ممتازة مع مختلف المنظمات الإرهابية، وتمتلك حصة كبيرة من أسهم شركة السيارات الألمانية فولكس فاجن، لكنه قد يخطئ كثيرا في حساباته.
خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الفلسطينية حماس يستفيد جيدا من ذلك، فأقوى أجهزة المخابرات في العالم تسعى لقتله، ولذلك يعيش في قلعة تجعله محصنا من أي هجوم: في إمارة قطر.
بينما كانت القنابل الإسرائيلية تسقط على قطاع غزة ويواصل رفاقه في حماس إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية كان مشعل يجلس في قصر الأمير في قطر، حيث النجف الكريستال الفاخر، والدواوين الفخمة المزينة بديكورات من الحرير الأخضر.
لم يشعر مشعل هنا بالخوف إلا مرة واحدة قبل نحو عام، عشية شهر رمضان في 2013، فقد فعل حاميه الأصلي الشيخ حمد بن خليفة آل ثان شيئا لم يفعله حاكم عربي من قبل، تخلى عن السلطة، وسلم الصولجان لابنه تميم، لكن خوف مشعل لم يكن مبررا، فتميم لم يطرده، وهو في النهاية ليس الضيف الوحيد المثير للدهشة الذي ورثه تميم عن أبيه.
قطر أصغر من مقاطعة شيلزفيج-هولشتين، وعدد مواطنيها أقل من عدد سكان بوخوم، لكن الإمارة الخليجية قوة عظمى في سوق الغاز الطبيعي العالمي، ومستثمر رئيسي في شركات أوروبية، ومنظم لأحداث رياضية دولية، ووسيط مطلوب كثيرا في الشرق الأوسط، وهي أيضا حامي لسلسلة طويلة من الأشخاص والمنظمات المثيرة للريبة، وبدونها لم يكن مشعل يتحرك إلا سرا.
هنا يستطيع مشعل أن يدخل القصر الأميري في أي وقت، وبينما يستثمر قادة طالبان عائدات تجارة المخدرات وعمليات الحراسة العسكرية سرا في دبي، يتمتعون هنا في قطر بتمثيل دبلوماسي، وتتمتع القيادات العليا لجبهة الإنقاذ الإسلامي الجزائرية بضيافة الأمير، مثلها مثل الحاشية السابقة لصدام حسين، حتى طياره الخاص وصهره أرشد ياسين.
ورث الأمير تميم هؤلاء الضيوف بتوليه منصبه في يونيو 2013، وقد كان قبل ذلك مشاركا في العلاقات والمهام الدولية لبلده كولي للعهد، وقائد للمخابرات القطرية ومسئولا عن المهام الحرجة.
حيثما وجدت حركات جهادية حول العالم حيثما وجدت يد قطر، تشارك في اللعبة: في شمال مالي، عندما اندلعت ثورة بقيادة حركة “التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا” (ميجاو)، أو في ليبيا، عندما أعلنت حركة أنصار الشريعة إمارة لها، كانت قطر حاضرة بقوة.
في يونيو نقلت صحيفة “أتلانتيك مانثلي” الأمريكية عن مسئول قطري نوعا من الاعتراف بأن علاقات قطر “بجبهة النصرة” المرتبطة بتنظيم القاعدة في سوريا وثيقة جدا، حتى أنهم – في قطر- يعرفون جميع قادتها شخصيا، وفي ليبيا وتونس ومصر تدعم قطر الربيع العربي بميل واضح للإخوان المسلمين، وفي الحرب الأخيرة في غزة ظهرت قطر أيضا في دائرة الضوء، ومنذ أن تحول موقف حماس ضد بشار الأسد هربت قيادتها إلى قطر، التي أصبحت آخر الرعاة الداعمين لميليشيات حماس في قطاع غزة، لهذا السبب –ربما- دعا وزير الاقتصاد الإسرائيلي اليميني إلى سحب تنظيم دورة كأس العالم في كرة القدم في 2022 من قطر.
لكن رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو – لم يكن متسرعا إلى هذه الدرجة- فقد امتنع عن انتقاد قطر، بالضبط مثلما التزمت الولايات المتحدة الصمت، ولكل منهما بالطبع أسبابه.
علاقات الأمير تخدم الولايات المتحدة أيضا
مؤخرا عاشت قيادة الجيش الإسرائيلي كابوسا، خلال الحرب على غزة أعلنت إسرائيل عن أسر أحد جنودها والذي تربطه صلة قرابة بوزير الدفاع الإسرائيلي – حسبما ذكرت جريدة الجارديان البريطانية- فاتصل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بالدوحة وطلب من القطريين “متوسلا” – حسب مصادري الخاصة- لكي يستخدموا نفوذهم للحفاظ على حياة الجندي، فالأمير هو الوحيد تقريبا الذي يمكنه التأثير على حماس، ولاحقا عُرف أن هادار جولدين كان قد قتل في المعركة.
وقد أظهر تميم في الشهور الماضية أن علاقاته بالتنظيمات المتطرفة مفيدة للغاية.. في إطلاق سراح الجنود الأمريكيين من يد طالبان، كما في إطلاق سراح الرهائن في سوريا، يقدمها القطريون على هذا النحو بالضبط: ثمرة “حيادنا” في أن نتحدث مع أي طرف وأن نحافظ على علاقات “تجارية” مع الجميع.
منذ عام 2004، أسست قطر دبلوماسية نشيطة وحقائب مليئة بالدولار كوسيط: في موريتانيا واليمن والصومال ولبنان، وفي 2006 أصبحت قطر أحد المؤيدين والمدافعيت عن حكومة حماس الفلسطينية المنتخبة، وافتتحت في نفس الوقت مكتب للصادرات الإسرائيلية واستقبلت رغم احتجاجات “دول المواجهة” العربية وزيرة الخارجية الاسرائيلية وقتها تسيبي ليفني، والتقي تميم ولي العهد وقتها (وكان عمره 26 عاما) ممثلي إدارة بوش وطالبهم بإعطاء الفرصة لحماس، وقال لهم “إنهم الآن ليسوا تنظيما بل حكومة”، حسب تسريبات ويكيلكس من أوراق وزارة الخارجية الأمريكية.
وتظهر الوثائق أيضا حالة الغطرسة التي انتابت قطر والدور الذي تلعبه – على الرغم من مغامرات سياستها الخارجية- في خدمة الاستراتيجية الأمريكية، هذه الآلية نشأت في حرب العراق الثانية عام 2003، ففي قطر يقع مقر القيادة المركزية الأمريكية، أهم القيادات الإقليمية للقوات المسلحة الأمريكية، وكانت النتيجة هي الاعتماد المتبادل بين الإمارة الصغيرة والقوة العظمى.
في حرب العراق اكتشف القطريون نموذج عملهم
أقام القطريون خلال حرب العراق “علاقات جيدة” مع الإرهابيين أنفسهم، وربما أيضا من خلال التمويل في شكل تبرعات للمؤسسات الدينية التي لها علاقات مع تنظيم القاعدة، وواصل تميم اتصالاته بالمتمردين السنة في العراق بناء على طلب من الأمريكيين، وباتت العلاقات مع الأصوليين من جميع الأنواع تقليدا قطريا.
أحد أخوال تميم -على الأقل- إسلامي معروف على مستوى العالم ويبذل جهودا دؤوبة لبناء مؤسسات دينية متشددة، لكن الحاكم الشاب نفسه يحب لعب التنس وتعلم في الأكاديميات العسكرية الغربية، وما تولاه في عام 2013 هو في المقام الأول نموذج عمل – هو شركة تقوم بأعمال الوساطة بين الإرهابيين والمستثمرين والحكومات الغربية، والغرض من الشركة هو: وضع قطر في مكان بارز على خريطة العالم، بل وفي الواجهة، وصعدت المملكة الصحراوية الصغيرة كما لوكانت مذنبا: بصندوق استثمار يضم عدة مئات من مليارات الدولارات، وقناة فضائية مؤثرة في الرأي العام العربي تسمى الجزيرة وبدرجة كبيرة من الثقة بالنفس –على ما يبدو-، ما أثار حسد حكام الخليج الآخرين.
في الواقع يريد تميم تخفيف سياسة قطر المغرورة، بعد أن تحول إلى موقف الدفاع في مشروعه الدعائي كأس العالم لكرة القدم 2022 بسبب: اتهامات بالفساد واستغلال العمال، والحوادث التي تقع في مواقع البناء، حيث يظهر ضيق جيران قطر من العرب في التغطيات الإعلامية لاذعا، ورسم صورة لقطر إما كدمية أمريكية أو مصنع للإرهاب.
وربما يشعر تميم بمخاوف على سلامة بلاده، فقبل شهور أقر التجنيد كواجب على المواطنين، الذين نادرا ما يبذلون مجهودا بدنيا، وفي منتصف يوليو 2014 عقدت الدوحة وواشنطن صفقة صواريخ باتريوت للدفاع الجوي قيمتها 11 مليار دولار، وكانت الحرب بين إسرائيل وحماس على وشك الوقوع، ورغم ذلك أبدى الأمريكيون استعدادهم لتسليم الصفقة.
فالولايات المتحدة ترى أن العلاقة بين قطر وحماس ليست تحالفا أيديولوجيا، لكنه تحالف تكتيكي، يريد به الأمير أن يزعج خصومه في القاهرة، ويصف مسئول قطري المزاج العام في القصر الأميري بقوله “طالما أن المصريين يشاركون في حصار غزة، فإنهم لا يتمتعون بمصداقية الوسيط”.
وبسبب نزاعه مع مصر، فشل أيضا ابتعاده عن المتشددين، عندما تولى زمام الامور كانت لحظة تغيير المسار مواتية، وقد تخلص تميم في البداية من بعض المتشددين في القصر، لكن الجبهات ازدادت سخونتها: ففي القاهرة أزاح الجيش حكومة الإخوان المسلمين المتحالفة مع قطر ولاحق أنصارها بصرامة، ورد تميم على ذلك، بعدة أمور، من بينها زيادة دعمه لحماس، والآن يقف تميم في طريق مسدود – يمثل الخروج منه أصعب اختبار له.