الحياة اختيارات واهتداءات.
اختيارات صحيحة وأخرى خاطئة.
لا وقت للندم.
ربما يمكن المراجعة.
لكن الاكتئاب – المرتبط بالندم- ترف لا نحتمله.
مسرحية “الحياة: لعبة” للسويسري ماكس فريش والتي قرأتها وترجمتها طالبا في الألسن أوائل الثمانينات ربما توحي بهذه الحكمة.
بطلها هانيس كورمان باحث في علم السلوكيات، واتته الفرصة – افتراضيا- أن يصحح مسار حياته.. محطاتها الفاصلة.
بقوة سحرية تمكن من الحركة في الزمن ذهابا وإيابا.
لكنه لم يتمكن ولو لمرة واحدة أن يغير مسار أحداثه الجوهرية.
ومنها لقاؤه بآخر زوجاته.
تردد كثيرا، ودخل في تأملات للاحتمالات الممكنة، وأخيرا مرض.
أما زوجته فقررت في النهاية أن تخوض التجربة نفسها.
أن تعيد الاختيار، وغيرت مسار حياتها، فتغير مساره بالتبعية!
المسألة ليست حتما.. لكنها الاحتمالات الأقرب للحدوث في ظل الملابسات المتاحة.
لا يمكننا الرجوع من حيث أتينا.
أن نتجنب مسار الصحافة القاهرية الذي أخذنا من عوالم الإبداع والتأمل والقراءة العميقة.
قراءة المستقبل قد تساعد – أو لا تساعد- في اتخاذ قرارات صائبة.
قدرتنا على اكتشاف الناس.. من الصديق ومن المنافق لا يمكن تصحيحها بأثر رجعي.
النقيب – الصديق – الذي اعتذر عن عدم استعانته بصحفي مخضرم في برنامج يديره بحجة أنه مختص باختيار الباحثين، وأن شخصا آخر مختص باختيار الصحفيين هو شخص كذاب.
فلا ينبغي أن يلومه الصحفي المخضرم، بل يلوم نفسه لأن طريقته في معرفة الناس كانت خاطئة.
وما عليه هو أن يطور طريقته في معرفتهم.
لا يكفي ما يقولونه نفاقا عن الصداقة والعشرة والتجربة المشتركة، بل لابد من اختبارات نفسية سلوكية تظهر مدى الصدق والادعاء.
رئيس التحرير اللامع الذي يُنظِّر في انتقاد سيطرة رجال الأعمال على الصحفيين، ويتهم آخرين بالخضوع لإرادة أصحاب جرائدهم، هو نفسه يعترف أنه لا كلمة له في تحديد من يكتب مقالا في جريدته.. رئيس مجلس الإدارة وحده من يحدد!
استخدام السلطة لصحفيين أقل موهبة لإدارة الصحف – الحكومية وغير الحكومية- ومن خلفها إدارة الرأي العام نفسه، قديم قدم السلطة وقدم الصحافة.
سؤال الصحفي الكبير المحترم أحمد بهاء الدين الاستنكاري لممدوح سالم – وقت أن كان وزيرا للداخلية- معاتبا: لماذا تختارون “أسوأ” الصحفيين رؤساء تحرير؟، رد عليه ممدوح سالم بحكمة: لأن الأذكياء والناجحين لا يأتون إلينا!
محمود وجدي – وزير داخلية أسبق – أقسم عندما كان مديرا لأمن العاصمة أمام زميل أن رئيس تحريره يقف أمامه في مكتبه ليقدم التقارير كأي مخبر، وربما يؤدي له التحية أيضا بنفس طريقة المخبرين!
نفس رئيس التحرير قال عنه مسئول سابق في المخابرات أنه أعطاه أول مكافأة له في السبعينات عن تقرير كتبه!
هؤلاء يملأون عقول الناس ضجيجا وحشوا، ويتحولون – بملايين جمعوها سفاحا – إلى مسوخ.
يقولون الشيء ونقيضه، يدافعون عن مسئول أو صاحب مال ويهاجمونه في لحظة أخرى.
ولو أشرت إلى تناقضاتهم بالوقائع والتاريخ والأسماء لا يخجلون!
أما نحن..
فإحنا “بتوع الأجمل” والأنبل والأقيم “وطريقه الصعب” كما قال الأبنودي.
المقال مهدى إلى الصديق خالد محمود وهو يعيد إصدار موقعه الإلكتروني “الجنوبي”، وإلى كاتبه أيمن شرف وهو يشرع في تعديل مساره إلى تأليف الكتب والترجمات، وإلى آخرين أعرفهم، ولا أستطيع ذكر أسمائهم دون استئذانهم، وإلى من لف – أو يمكن أن يلف – لفهم من أجيال أخرى.
أما الذين لا يخجلون من ذكر تناقضاتهم – ربما بالصور أحيانا- ويملأون صحفا ومنافذ إعلامية غثاء يدعون أنه كتابة، فلا يستحقون إهداء، فقط يجوز أن نهدي قراءهم نموذجا من فنونها.










