
حكم المحكمة.. أي محكمة.. “ليس عنوان الحقيقة”، فالحقيقة ليس لها مقر إقامة ثابت!
أعضاء هيئات المحاكم ليسوا آلهة ولا أنبياء ولا يتنزل عليهم الوحي.. فيقولون كلاما لا يرد ولا يطعن على منطقه.
بعض المتبجحين – الغوغاء – ممن يعجبهم حكم ما، يُصدِّرون العبارة المأسوف عليها “الحكم عنوان الحقيقة”، حتى يثبتوا لدى من يسمعهم أن الحكم الصادر يغلق ملف القضية التي هم بصددها.
العبارة تتناقض كلية مع “بديهية” أن المحاكم تصدر في أحيان كثيرة أحكاما متناقضة، ونظام التقاضي نفسه أنشئ – في كل بلاد العالم – بالأساس وفق نوع من التدرج، بحيث يمكن مراجعة أحكامه والطعن عليها وإلغاؤها.
حكم المحكمة.. أي محكمة.. هو رأي قانوني في خلاف أو نزاع بين طرفين، أفرادا أو هيئات، (ذات شخصيات اعتبارية)، وهو جدير بالاحترام والتطبيق، حتى تتحقق مصالح الناس في الاستقرار على جهة تفصل بينهم، لكن تلك الجدارة لا تحصنه من التعليق أو الطعن في صحته، والتعليق والطعن لا يعني عدم الانصياع للتطبيق.
ما قلته للتو يبدو بديهيا، ومفروغا منه، لكننا في زمننا الحالي نبدو في حاجة للتذكير بالبديهيات.
الحكم ببراءة أحمد موسى في قضية “سب وقذف” أسامة الغزالي حرب بوصفه أنه “كان يجلس مع السفير الأمريكي ليسرب له أسرار البلد” ليس عنوانا للحقيقة، فمحكمة أول درجة اعتبرت “الوصف” قذفا يستحق العقاب بالغرامة والحبس.
ما نعرفه في مهنتنا “الصحافة” أن معنى ذلك الوصف هو “الخيانة”، وأن استخدامه دون تقديم أدلة قاطعة عليه “مخالفة” تدخلنا تحت طائلة القانون، وحتى لو لم ينتهي الأمر في المحكمة يظل مخالفة أخلاقية تخصم من مصداقية مرتكبها، بنفس القدر الذي تحط فيه من قدر من يوصف بها.
إذا اعتبرنا الحكم ببراءة أحمد موسى سابقة يمكن القياس عليها، فهل يمكن أن يقول شخص ما إن أحمد موسى نفسه أو أي شخص آخر.. وزير.. أو رئيس وزراء أو رئيس جمهورية حالي أو سابق أو أسبق – على سبيل المثال – “كان يجلس مع سفير دولة أجنبية ويسرب له أسرار البلد” ودون أن يقدم أدلة قاطعة، ثم يذهب إلى المحكمة فتعطيه حكما بالبراءة!
هل هذا ممكن؟ هل هذا معقول؟ هل هذا منطقي؟
من باب التأكيد على البديهيات.. تجدر الإشارة إلى أن ما قاله موسى في حق الغزالي لا يدخل ضمن إطار “حرية الرأي والتعبير”، ولا يندرج ضمن ما يسمى “قضايا النشر”، وإنما يندرج في قضايا “السب والقذف عن طريق النشر”.. السب أن تصف فلانا وصفا يحط من قدره، كأن تقول “كلب” أو “ابن كلب”، أي استخدام كلمات السب والشتيمة، والقذف أن تطعن في ذمته أو شخصه أو عرضه كأن تقول “حرامي” أو “خائن” دون أن تقدم دليلا.
وتبقى أسئلة بديهية أيضا..
إذا كان موسى قد قال في سياق اتهاماته للغزالي إنه يستند إلى “معلومات أجهزة الدولة” فلماذا لم يقدم بلاغا إلى النائب العام منذ البداية ضد الغزالي، ولماذا لم تبادر تلك الأجهزة التي “خصت” أحمد موسى بمعلوماتها إلى سلوك الطريق القانوني لتوقف “الخيانة” وتحاصرها بأحكام قضائية قاطعة! لو أن أحدا فهم من هذه القصة أنها نوع من “التهويش” لكان محقا! ولو فهم منها أن “الجهات” التي تعطي موسى “معلومات” أو تستخدمه في “توضيب” فلان أو علان توفر له مظلة من الحماية لكان محقا أيضا.
ملاحظة أولى: السفارة الأمريكية بالقاهرة كانت ضالعة وبقوة في أحداث 25 يناير، والكلام ليس من عندي، بل من المستشار عادل قورة رئيس اللجنة القومية للتحقيق وتقصي الحقائق في شأن أحداث ثورة 25 يناير، قال قورة (رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس محكمة النقض الأسبق) بالحرف: “لو كنت أملك الصلاحيات لوجهت اتهاماً مباشراً للسفارة الأمريكية بقتل المتظاهرين”.. فلماذا لم تتحرك جهة واحدة في مصر لتفعل شيئا؟ نعم قد تكون هناك اعتبارات سياسية، لكن الأمر يحتمل اعتبارا آخر.. أن الذين تعاونوا مع السفارة الأمريكية في الأحداث كثيرون.. ربما لا ينتمون فقط لما يسمى “النشطاء” بل “لأشياء أخرى”.. وكل لبيب بالإشارة يفهم.
لماذا إذن لا “يُفعل” القانون قطعة واحدة.. دولة القانون يا سادة أجدى كثيرا في تحقيق الاستقرار، وهي أجل وأعظم من أن تهان على يد “أدوات” إعلامية وسياسية هنا وهناك!
ملاحظة ثانية: تداولت تغطيات الصحف لجلسة محاكمة أحمد موسى معلومة أن “رئيس حرس المحكمة استقبل موسى (المتهم) في مكتبه قبل أن يدخل قاعة الجلسة”، يا له من حسن استقبال لمتهم! هل يمكن أن يتساءل أحدهم عن نوع “الرتبة” التي يحملها أحمد موسى على كتفيه!
سؤال تال.. الغزالي حرب الذي بدا متشددا تماما – قبل الحكم الأخير- وقال من قبل إن أحدا قريبا من “سلطات الدولة” أبلغه أن موسى لن يحبس، مما زاد إصراره على تنفيذ حكم الحبس السابق والاستمرار في القضية، ووضع شرطا للتصالح مع موسى يبدو خارج سياقها وهو الاعتذار لثورة 25 يناير ونشطائها.. لماذا إذن.. سكت أخيرا بعد صدور الحكم الأخير، وقرر ألا يستخدم حقه في الطعن عليه، كما يرى خبراء القانون!
ملاحظة ثالثة: الغزالي حرب ليس مناضلا أو معارضا فذا أو قائدا تاريخيا عظيما لثورة غير مسبوقة، تاريخه في الالتحاق بنظام مبارك “الفاسد”، وقناعاته بإمكانية الإصلاح من داخل الحزب الوطني” ولجنة سياساته بقيادة نجل مبارك” لم تكن بريئة من مصالح شخصية، وتحوله إلى معارض لا يخلو من شبهات عدم تحقق المصالح.
سؤال أخير.. ألا يذكرنا ما حدث مع أحمد موسى بواقعتي صدور حكم بالحبس في قضيتي “سب وقذف ونشر أخبار كاذبة” ضد صحفيين معروف صلتهما “بأجهزة الدولة” منذ زمن مبارك، ولم ينفذ الحكم بالحبس، في الأولى أصدر النائب العام قرارا بوقف التنفيذ، وفي الثانية تنازل الرئيس الأسبق بصفته الشخصية – وليس الرسمية – عن القضية!
في الحالة الثالثة والأخيرة تخيل بعضهم أن “النظام الجديد” يدرك حماقات نظام سابق ولن يكررها، لن يورط نفسه مع صحفي يسب أو يقذف صحفيا آخر، واتضح أن الافتراض مجرد “خيال مريض”، وبدا منطقيا أن يقول هؤلاء البعض إن الدولة تحمي رجالها أو “صنائعها من الرجال” بأقصى ما تستطيع، باستخدام “أضابير القانون”.. وربما تكون الوسائل في حالة موسى أكثر “جرأة”.. وداعا دولة القانون!
في فهم الرأي العام لا ينصرف التفكير إلى التفاصيل والتكيفيات القانونية، وإنما يضاف الحساب على فاتورة الرجل الأول في البلد، بالضبط كما كان يضاف إلى فاتورة مبارك.
عندما يأتي الوقت الذي يحسب فيه الرئيس أسباب تراجع شعبيته في أوساط المتعلمين ثم في الأوساط الشعبية عليه أن يتوقف عند محطات من هذا النوع.