
أطفال في واحة جارة أم الصغير يشاركون في مسابقة للرسم على الأسفلت
أهلا ومرحبا بكم أصدقائي.. سأبدأ معكم حكايتنا هذه كما كانت تبدأها «حنى» معنا ونحن صغار..
لكم أشتاق إليها وهي تستهل حكايتها قائلة: «واحد وما واحد غير الله»
فوق ربوة عالية جلس صالح ممسكا بلجام فرسه، يتأمل غروب الشمس، وكانت تكسو وجهه علامات الحزن العميق، وعند هبوط الليل ركب علي فرسه عائدأ الي بيته على مهل، وقبل أن يصل إلى خيمته، – أقصد خيامه السبعة- مر على جاره وصديقه في نفس الوقت، فوجده جالسا يعد فنجان الشاي على النار، وقد رأى ما في نفس صالح من عميق الحزن.
سريعا بادره بالسؤال: «كنك إيش فيك؟»
ربط صالح فرسه في مربطها، وجلسا سويا بجوار النار، وأخذ صالح فنجان الشاي ذو الرغوة الكثيفة، واحتسى بعضه، ثم قال: «نا عندي خير واجد.. عندي مال و7 صبايا و7 من الخيل، بس ما عنديش أولاد، ولا الخيل خلف، مش عارف إيش السبب؟»
صمت صديقه قليلا ومط شفتيه، ونظر إلى عيني صالح وقال:
«بكره نمشوا للفقيه مع بعضنا، يمكن يدلنا على الحل، وربي يفك عسيرها عليك».
مع بزوغ فجر اليوم التالي ركب كلا منهما على فرسه، وقطعا مسافات كبيرة في الصحراء، وقد تلثما حتى لا يؤذيهما رمل الصحراء مع هبوب الرياح.. كانت الصحراء ترتفع بهما وتنخفض وهما معها، لم يقابلهما خلال رحلتهما هذه سوى نبات المثنان، حتى وصلا أخيرا إلي نجع الفقيه.
استأذنا في الدخول عليه فوجداه رجلا كبير السن، وقد تجعد وجهه بسنوات عمره الثمانين.. ذو لحية بيضاء كثيفة، وبرغم نحول جسده وجداه مليئا بالقوة، ممسكا بكتاب غريب لم تقع أعينهما عليه من قبل.. كتاب بني اللون أوراقه صفراء، تآكلت حوافه بمرور الأزمان، وكان للمكان رائحة مميزة بعضها من أثر البخور والأخرى لم يتبينا مصدرها.
جلس صالح وصديقه قبالة الفقيه، ولم يجرؤا علي الحديث إلا عندما يبدأ الفقيه بالكلام أولا.
تفحصهما الفقيه بعينين صغيرتين، لكنهما عميقتين، وهز رأسه ومط شفتيه ثم قال:
«راها وصالت الجمل للقدر والفارس للقبر».
رد صالح فزعا: «إيش هي؟»
رد عليه: «هي العين.. راك معيون».
نظر صالح لصديقه فبادره الأخير: «وإيش الحل؟».
قلِّب الفقيه في صفحات كتابه حتى وصل إلى صفحة معينة، ثم انحنى إلى الأمام قليلا، وأخذ يرسم
بإصبعه دوائر وأشكال متداخلة.. يغمض عينيه أحيانا.. ويهز رأسه بالإيجاب أحيانا أخرى.. كما لو كان هناك من يحدثه، لكنه أبدا لم ينطق بشىء، وتعجب صالح وصديقه عندما أطال جليسهما النظر للصفحة، ولم يكن مكتوبا بها شيء، وعندها نظر إلى صالح، ودون أن يوجه إليه الكلام نادى على ابنته الصغيرة، و همس في أذنها.
سرعان ما عادت ابنته وبيدها إناء أخذه أبوها منها وقدمه إلى صالح وقال:
«هاك سبع حبات تفاح تعطي كل واحدة من صباياك واحدة، وهذي العصا اضرب بيها كل واحدة من خيلك مرة واحدة.. وإن شاء الله ما يصير إلا الخير».
ومع كلمة الخير أغلق الفقيه الكتاب إيذانا بانتهاء اللقاء.
خرج صالح وصديقه متفائلين ومسرعين إلي أهلهما، وضرب صالح الخيل بالعصا كما قال الفقيه، ومر على نسائه، وأعطي كل واحدة منهن تفاحة حتى وصل إلى أصغر نسائه فلم يجدها بخيمتها، وجلس ينظر إلي التفاحة، وقد اشتهى أن يأكل منها، فقسمها نصفين، أكل النصف وأبقي لزوجته النصف، الآخر، وبعد فترة أنجبت الخيول السبع، كما أنجبت كل واحدة من نسائه ولدا، وكان ابن زوجته الصغري ضئيل الجسم بشكل ملحوظ، مما جعلهم يطلقون عليه «نص نصيص»، وكان مسارا لسخرية إخوانه الستة وأمهاتهم، فأحزنه ذلك كثيرا وذهب إلى أمه وقال: «ليش نا شكلي هكي، ليش خوتي يستهزوا بي؟»
قالت أمه: «الرجل بعقله يا وليدي موش بشكله، وربي حط فيك عقل مش عند خوتك الستة.»
فكان ينجح في كل ما يفعله، إذا ضرب شيئا أصابه، وإذا أراد أن يفعل شيئا وفق فيه، على عكس إخوته، فكان هو المحبب لقلب أبيه، وهذا ما دعي إخوته للحقد عليه، وأضمروا له الشر، فكانوا دائما يشتكونه لأبيهم، مما دعي الأب لمراقبتهم…
وفي يوم من الأيام ذهبوا جميعا لصيد الغزلان، كل واحد من إخوته يحاول أن يرمي سهامه باتجاه الغزال ولا يستطيع أن يصيبه، فيرجع خاوي اليدين، إلا «نص نصيص» كان يسير ببطء شديد ويتخفى وراء الجمال التي تتواجد على مقربة من الغزلان، وبرمية واحدة يصيب مقصده، فيغتاظ الإخوة،
ويعلنون عن غضبهم ويحضر الأب فرحا بمهارة ولده في الصيد ويقول: «نا ولدي هو «نص نصيص».
عندها قرر الإخوة قرارا بخصوص الأخ الصغير.
***
أصدقائي
ترى ماذا سيكون قرار الإخوة؟ وهل سيستمر الأب في المراقبة؟ هل بين الإخوة مكان للحقد وإن وجدفما أسبابه؟، وإذا ما كان للجميع أخطاؤهم فما هي أخطاء إخوة «نص نصيص»؟ وهل كان للأب ونص نصيص أيضا أخطاء؟
هذا ما سنعرفه معا في لقائنا القادم الذي أتشوق إليه من الآن.

جمع وتقديم
ناريمان السنيني