الأوروبيون في داعش.. بقلم عادل عبد الظاهر

Europian in isis

حتى الأمس القريب كان الجهل والفقر والتهميش من العوامل الكامنة والظاهرة والفاعلة وراء نشوء نزعات التطرف الديني، لكن الجديد الذي يتكشف لنا الآن في ظل ألاعيب الشيطان هو ما قَلَبَ قوانين البداهة رأساً على عقب، مثلما عبثت من قبل بمقادير الشريط الوراثي الأيدي العابثة بكل القيم والأشياء، عبثَ اللهو والاستهانة، فكأنما تحولت الحياة كلها في أعينهم إلى مجموعة من ألعاب الفيديو في حاسوب أطفال جميل.

الحرب من أجل الدين أو الحرب بالدين، وبما تعتنقه القلوب، هي لعبة قديمة، لكن الجديد فيها الآن هو أسلوب إدارتها، باستخدام أصول بشرية راسخة في ضلال تحسبه إيمانا، من الذين قصدوا الإيمان فاستُقطِبوا إلى شيء آخر، يعتقدون في القتل اعتقادهم في الدين، وفي مقابل القتل يحلمون بالشهادة جزاءً وفاقاً في جنات السماء، ثمناً لسلب الآخرين حياتهم.

يسألون الله الحياة التي حرموا الآخرين منها، فإذا لم يكن هذا هو الجهل فماذا يمكن أن نسميه؟ وقد صنَّف الله هؤلاء بأنهم الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

ومن النواميس الإلهية توزيع الأنصبة بالعدل بين الخلائق، حسب نوع ما يُسرُّون في قلوبهم من نوايا، وهو ما يدخل في نطاق المكر الإلهي، والذي هو حائط الحماية من شياطين الخيانة وألاعيب البأس، التي لا يقوى عليها المؤمنون حقاً، ممن سالموا، كي ما يَسلموا، ولأن السلام هو رسالة السماء الأصلية، التي عميت عنها كل الأنظمة الغربية، فلابد وأن يصيب الذين ظلموا منهم بعضٌ مما كسبوا.

فالإسلام الذي ينتشر ويتوغل الآن في أوروبا، هو نفسه الإسلام الذين درسه المستشرقون، ومضغوه طويلاً، حتى خرج من أفواههم في شكل كرة شائهة، كما أرادوها تماماً، لأغراض استعمارية معروفة، وجرى نفخ النار فيما تشابه من آيات الدين، ابتغاء الفتنة، وليختلط الأمر على المساكين عقلاً ونفساً.

إنها الفتنة التي نعيش تفاصيلها اليوم، وتكتوي بنارها شعوبنا، وهي إحدى صور العبث المريع الذي يصيبهم الآن بعضٌ من شرره، فنرى أن أبناءهم، ممن طعموا من شجرتها، يشاركون الآن في بؤس «داعش»، لخدمة الأجندات، دون أن يعوا أو يعلموا.

في أي خانة يمكن أن نُدرج هؤلاء الأوروبيين من مسلمي داعش؟ هل في خانة الجهل أم خانة الفقر؟ وما هم بجهلة ولا فقراء، إذن فهم يندرجون حيث أدرجهم المولى سبحانه وتعالى، بمكره وهو خير الماكرين، في خانة «الترف»، ترف القوة وترف الغنى، وترف العبث، فقد جاء في حق أمثالهم «وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ» (هود 116)، فأصبحوا ينزحون متوافدين علينا من بلدان العالم المتقدم علمياً وتكنولوجياً والمترف اقتصاديا، ليروّجوا لما يُسمى بحلم الدولة الإسلامية، وهم في غفلتهم صادقون فيما يدعون، عن قناعة بل وإيمان، ولكنها قناعة وإيمان الأخسرين أعمالا، والحكاية كلها في النهاية أشبه ما تكون بلعبة أفغانستان والعائدين من أفغانستان، الذي عادوا بعدها عاطلين، ولكنهم كانوا قد تدربوا على استخدام السلاح، وعلى التكفير وإنكار الآخر، ذلك الإنكار الذي دفعهم إلى استحلال الدماء والأموال في أوطانهم وبين ذويهم.

فهل يُعيد التاريخ الكَرّة على من بدأ ذلك النوع من العبث؟! فنرى ما كان قد حذَّر منه الملك عبد الله ـ رحمه الله ـ من اكتواء أوروبا بنار الإرهاب «الحقيقي»، لا الممنهج “مخابراتياً”، ويتحول اللهو والعبث إلى مأساة حقيقية، تتدحرج على الأرض؟

Adel Abdel Dhaher2

عادل عبد الظاهر