خالد محمود يكتب: ملحوظات عابرة على مناظرة إسلام بحيري

islam b

 ملحوظات عابرة على مناظرة إسلام بحيري

سهر ملايين المشاهدين حتى ساعة متأخرة لمتابعة مناظرة إسلام بحيري مع الشيخين الحبيب الجفري وأسامة الأزهري، ورغم أن المناظرة ستستدعي عشرات الكتابات (السطحية والعميقة) اللاحقة، إلا أنه يمكن عابرا إبداء الملحوظات الآتية:-

  • المناظرة كانت بلا رأس، ولا يوجد شيء في الدنيا اسمه “مناقشة أفكار إسلام بحيري” هكذا بالإجمال، لأن هذه الأفكار لم تثبت ولا تزل في لحظة تكوين ويشوبها نوع من الزئبقية، ولأن ما يقوله عن نفسه غير ما يقولونه عنه. الناس معظم الوقت تشتت، أثناء المناظرة، ولو تم اختيار محور واضح ومحدد للمناظرة لكانت ستعود بفائدة أكثر وأعمق.
  • المناظرة تخلصت كثيرا من “روح السجال” و”ثنائية أهلي – زمالك” الفكرية حاليا والموجودة في الشارع المصري منذ 25يناير، وهذا إيجابي ويحسب لها، فالذاهبون بمنطق أن اسلام بحيري “حتة عيل جاهل أو مدسوس أو متآمر على الإسلام” لا مكان لهم، والذاهبون أيضا بمنطق أن الشيخين الجفري والأزهري “تكفيريون مستترون وعصور وسطى ومتخلفون ضد التنوير” أيضا لا مكان لهم، وبالعموم لا مكان للقادم ليتفرج على طرف منتصر وآخر مهزوم أو مباراة سحل.
  • فيما يخص إسلام بحيري وتنويره، بدا مشروع إسلام “بلا عنوان”، وهذا مقتل له، فجميع معارك التنوير في مصر كان لها عنوان، فمعركة علي عبد الرازق كانت أن الإسلام لم يعرف “الدولة الدينية”، ومعركة طه حسين كانت الدفاع عن مقولة أن التاريخ لا يستقى فقط من الكتب المقدسة، ومحمد خلف الله كانت معركته أن القصص القرآني هو أمثلة استرشادية لا سرد تاريخي، وأحمد صبحي منصور معركته أن القرآن الكريم هو النص الحاكم، ونصر حامد ابو زيد كانت معركته تعزيز فكرة السياق التاريخي للنص.. من ثم فما هو عنوان معركة إسلام؟؟، لقدى بدى إسلام “ينبش في كل شيء”، و”بكل شيء”، وحتى لو قلنا إن معركته “نقد التراث”، فهل مع ” الفقه أم الحديث”، وهل “بعض الحديث” أم “كل الحديث”، ولو مع بعض الحديث – ما معاييره؟؟ هل هي إسنادية أم مشاكل تتعلق بـ”عقلانية المتن”، وماذا وهو التنويري القادم للتغيير لو برهن له أهل الحديث – إسناديا- عن صحة أحاديث – هي ذاتها ومن زاوية المتن متضاده مع رؤيته وأفكاره التنويرية؟؟
  • أيضا فيما يخص إسلام وتنويره – وهذه نقطة مكملة لسابقتها – بدت المعركة مقلوبة، أي أنها بدلا من أن تنطلق من الواقع وتنتهي إلى الفكر بدأت من الفكر، وغالبا انتهت إلى الفكر لتصبح نقاشا فقهيا- فقهيا- (كما لو كان نوعا من الرياضة الذهنية).. التنويريون يبدأون برفض أن يكون الطرح الديني تبريرا لواقع ظالم، كأن يكون تبريرا للرق أو العبودية مثلا أو لاستعباد المرأة أو لاستعباد المختلف أو لظلم الطغاة أو السلاطين.. اللوثرية في أوروبا أو لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية يقدم لنا الدرس المثالي على ذلك، وبالتالي حين انطلق التنويريون من الواقع الظالم ضد تبريره الديني وضعوا رجال الدين الرافضين للتغيير وللحق الإنساني في وضع دفاعي ومأزق.. في حالة إسلام المعركة تبدو فقهية- فقهية، لا يبدو إسلام – إلا في ومضات نادرة – عما يدافع منطقه؟.. وبدا لمرات كثيرة كما لو كان يمارس هو والشيخان رياضة ذهنية فقهية أو لاهوتية، رياضة لإثبات الذات أو الشطارة أو المهارة.
  • كان الجمهور على حق عندما اهتم بشكل خاص بقضية “زواج الصغيرة” وأهمل الباقي، فهذه القضية وأمثالها هي التي تتماس مع حياة الناس المباشرة، والناس عندما جاءت المناظرة، وتريد أن تسمع كلام تجديد ديني، كانت تريد أن تسمع كلاما في قضايا شبيهة بعد أن سود الظلاميون حياتهم، هل يمكن أن يكون الإنسان مسلما حسن الإسلام ولا يكون جهاديا يقاتل الكرة الأرضية من أجل أسلمتها؟؟ هل يمكن أن يكون الإنسان مسلما ويسمح للمسيحي زميله في الوطن أن يصبح رئيس جمهورية عليه؟؟ هل المسلم يمكن أن يصبح متدينا جيدا ويتفرج على سيما ومسرح وباليه؟
  • غاب عن خيري وإسلام والجفري والأزهري أن المعركة معركتان، واحدة بين إسلام والشيخين، والثانية بين إسلام والشيخين معا في جبهة و”التطرف” في الجبهة المقابلة. هذه هي المعركة الكارثة التي يصحو وينام عليها الوطن – الجميع تشاغل بمجده الشخصي وذاتيته، ومحاولة إثبات أنه العالم الأعمق – عن رؤية هذه الثنائية.
  • فيما يخص إسلام.. كان ذاتيا ومتمحورا حول نفسه بطريقة كادت تكلفه المناظرة، فقد استفزه مثلا القول بأنه لم يأت بجديد، وظل يبرهن للمشاهد لفترة طويلة بحساب وقت المناظرة بأنه “أتى بما لم يأت به الأوائل”، ولم يضع في حسبانه أن المشاهد معني أكثر بصحة ما يقول وليس بعبقرية من يقول، كما أنه كان سريع الغضب سريع الاستفزاز مدافعا بلجاجة عن معادلة “صفر-خطأ” وهذا مستحيل في المناظرات.
  • كان د أسامة الأزهري، من حيث الشكل أسوأ الثلاثة، كان الأحرص فيهم على أن تاخذ المناظرة شكل المعركة الحادة، وكان يخشى أن تنتهي إلى توافقيات (ربما لأنه يعد برنامج ويريدها أن تستمر)، وكان متصيدا غير متسامح ومتشفي –ظل يكرر سقطة بحيري أن موطأ بن مالك كتاب له مقدمة مرات ومرات حتى مل منه الجمهور، كما تصيد خطأ في النطق وقع فيه إسلام ولم يتركه إلا بعد أن مثل به.
  • طبعا وللشهادة الحق كان الحبيب الجفري بابتسامته الساحرة وبحفاظه الموهوب عليها –ملك المشهد، يزيد من رصيده إبداءه للتواضع والرغبة في المرح والتواضع وعدم التهافت على اختطاف حق الكلام، كما يزيد تفوقه الطريقة الرائعة التي ختم بها والتي أكد فيها أن حبه لإسلام بحيري واعتزازه به يفوق رغبته في التفوق والانتصار في المناظرة.
  • فشلت إدارة المناظرة بقدر ما نجحت، في الجانب الإيجابي يذكر لها أنها استطاعت أن تقيم نقاشا متحضرا راقيا خاليا من التجاوزات والشتيمة وضرب الكراسي في زمن ما بعد “الربيع العربي”، أما في الجانب السلبي فقد كانت المناظرة صراحة سمك لبن تمر هندي في شكل الحوار وتنظيمه وعدم الالتزام بمعاييره وتداخل محاوره.

وأخيرا يتبقى القول إن المناظرة كانت ليلة فارقة في تاريخ التفكير في بلادنا، شاء من شاء وأبى من أبى، هي المناظرة الثانية التي يسهر فيها الناس صباحي متابعة لرؤى ووجهات نظر بعد مناظرة عمرو موسى – أبو الفتوح في نفحة الديمقراطية التي لفحتنا وطارت عام 2012، وبعد مناظرات 1976 بعد نفحة السادات ومنابره التي دفعنا حق مشاريبها سجونا وقمعا بعدها. يمكنني القول إن مناظرة هذه المرة هي الأرقى لأنها فكرية وليست سياسية…، فشكرا لصناعها، وعلى طريقة الحلقات الصوفية.. الفاتحة لمن فتح وطبخ.. وغسل.. وللحاضرين أجمعين.

khalid mahmoud

نقلا عن موقع (الجنوبي)