لا أوافق ذوي الآراء التقليدية ممن يعتقدون بأن السياسة ليست مما يشغل ذهن النساء، وأن من التكلف ما يبذل من محاولات لإقحام المرأة إلى هذا الميدان بحجة أنه لا يناسب فطرتها ولا يتفق مع طبيعتها الأنثوية، هذا القول إن وجد ما يدعمه في الماضي، فإنه اليوم حتما لا بقاء له ومن الصعب تصديقه، ليس للتزايد المطرد في أعداد النساء المنشغلات بالسياسة في العالم فحسب، وإنما لما نراه من شواهد حية من خلال ما يجري في مجتمعاتنا العربية هذه الأيام، فالمرأة تظهر لنا معنية تمام الاعتناء بالشأن السياسي، ولعل الانتخابات الكويتية الأخيرة خير شاهد، حيث شاركت المرأة الكويتية ـ للمرة الأولى ـ في الانتخابات ناخبة ومرشحة، وكانت هذه ثمرة مطالبات عديدة في السنوات الأخيرة تنادي بإدماج المرأة في العملية الديمقراطية وحتمية مشاركة المرأة، وكانت هناك إشارات تشير إلى أن مشاركة المرأة في الانتخابات ـ لو حدثت ـ سوف تقلب موازين القوى السياسية في البرلمان.
ونلحط التقدّم الهام الذي أحرزته المرأة- وإن كان بوتيرة بطيئة- من حيث تمثيلها في الميدان السياسي ومشاركتها الفعالة في مختلف برلمانات العالم بشكل عام وفي البرلمانات العربية بشكل خاص، فهناك مجموعة من الدراسات والأبحاث والبرامج والمبادرات حول الممارسات والجهود المبذولة من أجل تفعيل مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية، والارتقاء بعدد ونوعية المرشحّات والممثّلات المنتخبات. كما توفر المصادر معلومات حول كيفية تفعيل المرأة المنتخبة داخل المؤسسة البرلمانية، كتمثيلها في المناصب العليا في البرلمان وفي اللجان، وهناك كثير من الدول العربية لها دساتير وقوانين تنص بوضوح على حق المرأة في المشاركة السياسية كـ (تونس، مصر، سوريا، العراق، الأردن، المغرب، لبنان، اليمن، البحرين، قطر) وغيرها.
ومن الملاحظ هنا أن التعامل مع الحقوق السياسية للمرأة في المجتمعات العربية ظل مرتهناً في بعض المجتمعات بعوامل متشابكة منها ما هو متصل بالموروث الثقافي والتقاليد، وتأويل النصوص الدينية، وهناك أكثر من معوق لمشاركة المرأة سياسيا منها مشكلة الأمية التي تلعب دوراً خطيراً وعائقاً لحركة المرأة في نشاطها الوطني والديمقراطي، من حيث أن الأمية هي النقيض لما يريده الإسلام منذ نزول أول سورة من دستوره (القرآن الكريم) التي تقول: *(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ..)، والأمية لا يمكن حصرها فقط في معرفة الكتابة والقراءة ومعرفة المرأة حقوقها التشريعية والقانونية والسياسية فإن كل هذا يصبح هباء إذا كانت الأمية هي الأساس الذي يحكم ويقنن نشاط المرأة في المجتمع، فالفجوة كبيرة بين نصوص الدستور والقوانين المنظمة للعمل بالمساواة الممكنة بين الرجل والمرأة وبين تطبيق تلك النصوص على أرض الواقع، وبالتالي فقد أدى واقع المرأة إلى الابتعاد عن مجالات صنع القرار وإلى ضعف مشاركتها السياسية.
فكانت هدى شعراوي، التي أسست جمعية الاتحاد النسائي عام 1923 تنادي بأن التحرر من الاستعمار لا بدّ أن يسبقه تحرير المرأة، فعرفت مصر المشاركة السياسية للمرأة منذ مطلع التاريخ عندما تولت حكم مصر أكثر من ملكة فرعونية بالرغم من الظروف الصعبة والضغط الكبير الذي يقع علي كاهل المرأة المصرية، ولم يقتصر الأمر على تلك الفترة القديمة من التاريخ المصري، فقد شهدت مصر حكماً لسيدة أخرى وهي “شجرة الدر” وهي من سيدات العصر الحديث، وكانت مصر في ذلك الوقت دولة إسلامية وهذا ما يؤكد حقيقة أن الدين الإسلامي لم يكن يوما ما ضد مشاركة المرأة في الحياة السياسية كما يدعي البعض! بل إنه في ظل انتشار الإسلام في مصر تولت سيدة حكم البلاد وكان لها بصمة واضحة في ارتفاع شأن مصر؛ وجاء غيرهن الكثير ممن تقلدن أمور الحكم، واشتغلن بالسياسة عبر مراحل التاريخ المختلفة.
وكانت المرأة ولازالت جزءاً من ثقافة صناعة الحياة المصرية فكان لها الدور الفعال في الثورات منذ أن خرجت جنباً إلي جنب مع الرجل في ثورة 1919 المصرية واستشهدت؛ وكان ذلك دلالة واضحة علي انخراطها في الحركة الوطنية المصرية رافضة السلبية والدور المهمش لها.
وجاءت المرأة المصرية الآن لتضيف لتاريخها المشرف عملا بطوليا جديدا وهو مشاركتها في “ثورة 25 يناير” مثلها مثل الرجل وأكثر؛ فوقفت جنبا إلى جنب مع الرجل واعتصمت في “ميدان التحرير” وشاهدها العالم كله وهي تتعرض للضرب والتعذيب، ولم يفرق الرصاص الحي والمطاطي بينها وبين الرجل في الميدان، وتطور الأمر إلى استشهادها أيضا، ومازال يسجل التاريخ للمرأة المصرية ما تتعرض له إلى اليوم في المظاهرات من سجن وضرب وتعرية أثناء مطالبتها بحقوقها.
وفى ذكرى الاحتفال بيوم المرأة المصرية، الذى وافق السادس عشر من مارس ، وبعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، أعرب عدد من القيادات النسائية عن حزنهن الشديد، فلم ينظر أحد لما قدمته المرأة من دور إيجابي، سواء في التظاهر أو في تأييد أهداف الثورة، فبالرغم من نجاحها، أزيحت المرأة وقضاياها جانبا، وتم إقصاء المرأة من الحياة السياسية.
————————
* سورة العلق / الآية 1

هناء محمد – محامية وباحثة في المجتمع المدني