الهروب الكبير

إذا رأيت في عين أحدهم حزنا فلا تتجاهله، بل ساعده ولو بكلمة طيبة، فالكلمات الطيبة لها سحرها، وما يدريك لعلك تحبط محاولة أحدهم في الهرب.

إذا رأيت في عين أحدهم حزنا فلا تتجاهله، بل ساعده ولو بكلمة طيبة، فالكلمات الطيبة لها سحرها، وما يدريك لعلك تحبط محاولة أحدهم في الهرب.

هل مررت بالهروب الكبير؟ لا أقصد بالطبع الفيلم السنيمائي الذي يحمل نفس الاسم، إنما كثيرون منا قد تتولد عندهم الرغبة في المغادرة.. في الرحيل.. في ترك كل شئ.. الآلام والأوجاع.. الإحباطات الشخصية وإحباطات الوطن.. الجميع يمتلكون الرغبة في البداية من محطة الصفر والانتقال إلى عالم آخر من الأمل في حياة أفضل… كانت تستفزني دائما أخبار من يهربون إلى بلاد أخرى.. لا أقصد من لديهم أحكام جنائية بالطبع، وإنما من يسافر من الشباب للعمل في بلدان أخرى، وأكثر ما كان يحيرني لماذا يقدمون أنفسهم قرابين لحدائق الشيطان بالصحراء، أو أن تفتك بهم أمواج البحر، وهم من يمتلكون القوة والإصرار.. فهم شباب؟ بالتأكيد للهرب من فتك الحياة أو لنقل من فتك الوطن.
لكن في النهاية تبقى مسألة موتهم نسبية، صحيح أنها تتأرجح في المنطقة الواقعة بين 90 إلى 100% إلا أنها تبقى احتمالية.
فما بالكم بمن يختار الهروب النهائي أن يسدل الستار على الجميع.. الأبناء.. الزوجة.. الإخوة.. العمل.. أفكاره.. طموحاته، حتي رغبته في السعادة.. أن يسدل الستار على كل شئ.. ويرحل بالموت!
لماذا تزايدت حالات الهروب النهائي «الانتحار»؟، والسؤال لا يعني التبرير أو التماس العذر، فالانتحار محرم قولا واحدا، لكن كيف كانت معيشته من قبل؟ أي ألم اعتصر هذا القلب الذي اختار بإرادته أن يتوقف عن الخفقان؟ أي أفكارعبثت بخلايا أوجدها الله في جمجمته.. حتي طرق الهروب تدعو للتأمل.. الكل مؤلم بالتأكيد، لكن هناك ما هو أشد إيلاما.
لقد فطر الإنسان على الهروب من النار، حتي الصغار الذين يطلق عليهم في العراق «الجهال» يفرون من النار، فيأتي الهروب عكس الفطرة، ويهرب إليها المنتحر حرقا فيلقي نفسه فيها لتشتعل، وتستعر جميع أعضاؤه وأوجاعه وآماله ومشاعره، وربما أن الأخيرة قد أضرمت فيها الحياة النيران منذ زمن بعيد.
من يقدم لنا إعلانا مجانيا عن هروبه بأن يشعل النار ف نفسه أمام الكاميرات أو في الشارع وكأنه يقدم نفسه علي لوحة إعلانات.. ماذا كانت سلعته. لماذا أراد أن يبلغني ويبلغك أنه قد نجح في هروبه؟ أهي ظروفنا الاقتصادية؟ لقد مر على أجدادنا ظروف أصعب.. هل هو ضعف الإيمان؟ لم يكن أجدادنا أيضا زهادأ ورهبانا، لكنهم كانو يشعرون ببعضهم البعض ويترفقون، يتحدثون فيعينون على نوائب الدهر.. إذا رأيت في عين أحدهم حزنا فلا تتجاهله، بل ساعده ولو بكلمة طيبة، فالكلمات الطيبة لها سحرها، وما يدريك لعلك تحبط محاولة أحدهم في الهرب.

Nariman

ناريمان السنيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *