
نحن بحاجة إلى أفكار خارج الصندوق، وإلى بدء معركتنا ضد الإرهاب من خطها الأول، ومن لحظات تشكلها الأولى وعلى مستواها الناعم البسيط.
لا تبرح من ذاكرتي تلك الرحلات الدورية التي قمت بها، أو بالأدق أُخذت إليها في الصعيد وأنا طفل إلى مناطق بها عائلتنا الممتدة، فتفرجت على أجواء جديدة وعوالم مختلفة وجميلة، لكن الأهم كان إحساس لازمني طوال العمر.. أنني وأقاربي من هذه المناطق لسنا فقط أهلا وأقارب، بل «أمة من دون الناس».
كنت حين كبرت، وأرى هؤلاء الأقارب في جنائزنا وأفراحنا -عندما كانت الدنيا دنيا و«الونس» فيها مقصد الجميع فتمتد الجنائز 40 يوما (أصبحت خمسة عشر يوما، فثلاثة، فيوم واحد في بعض المناطق الآن)- لم يكن ينتابني للحظة إحساس بأن هؤلاء قدموا ليجاملوننا أو ليزوروننا، وإنما أننا وهم شيء واحد، نمارس مصيرنا المشترك دون أن ينبه أحدنا الآخر لذلك.
قفز إلى ذهني هذا الخاطر وأنا متجه إلى مطروح ثم سيوه، مرورا بمناطق شاسعة حيث أهلنا في غرب مصر، وقفز معه سؤال: كم خبير تربوي خطرت له فكرة أن ينظم رحلات دورية ومنتظمة لأطفال مدارسنا الابتدائية والإعدادية والثانوية من وإلى هذه البلاد؟ كم خبير جاءت في ذهنه فكرة أن يحول هذه المناطق والبلدان من نقطة على خريطة (أو على جوجل إيرث بلغة اليوم) في حصة الجغرافيا إلى واقع جميل في الوجدان ومن الذكريات في قلب هذا الصبي أو تلك الفتاة؟، كم خبير فكر في أن يجعل الطفل المطروحي أو السيوي سعيدا بذكرياته ورحلاته وصداقاته وتجاربه التي أصبحت جزءا من ذاته أثناء تجواله في قاهرة المعز أو باب الشعرية أو قرى المنيا أو نجوع الأقصر وضواحي أسوان؟.
نحن بالرغم من فيضان الأفكار التربوية -ومعظمها للأسف قائم على النقل الحرفي لتجارب الخارج دون تبصر باحتياجات مجتمعنا الحقيقية- لم يفكر أحدنا بمسيس حاجتنا لهذا الأمر، فنحن لأول مرة منذ 7000 سنة وبعد الظروف التي مرت بنا منذ 4 سنوات مهددون في صميم وطنيتنا التي تقاوم رياحا عاصفة كل لحظة.
الهوية الوطنية كانت مسلمة وبديهية في مصر، لا رسمها سايكس بيكو ولا الاتفاق الودي الانجليزي الفرنسي مثلا، وبدت حدودها ثابتة عبر الاف السنين، وعكس كل دول العالم بدت وكأنها نزلت معها في كتاب، اليوم هي مهددة بحسن نية وبسوء نية، بفيضان من الهويات المنافسة، والأصعب أن بعضها مفتعل، وبعضها وراءه استهدافات خارج الحدود وبعضها الثالث لن ينام ولن تقر عين أصحابه إلا برؤية خرائطهم الافتراضية الانفصالية واقعا على أرض.. مثلما يحدث في سيناء.
مواجهة حلم التفتيت يبدأ من طفل المدرسة، وبالتالي علينا أن نبدأ معركتنا مبكرا معه، وهو في زمن فهم البديهيات، لا بتلقينه إياها فقد انتهى زمن التلقين، ولا بسرد الحكايات فقد انتهى أيضا زمن الحكايات، وإنما بنقله مباشرة إلى تجربة معايشة الوطن، ونقل الوطن ذكريات وارتباطات وصداقات إلى داخله.
جميعنا يعرف تاثير التجارب المباشرة على حياة الأفراد، وطواقم الجامعات تعرف جيدا كيف أن مجرد حصول بروفيسور على رسالته العليا من هذه الدولة أو تلك يجعله مرتبطا بها طوال الحياة، ويجعل مكانتها في قلبه مختلفة عن بقية الدول، ويجعل البعض يطلقون عليها توصيف «وطنه الثاني»، فما بالك بأننا نود فقط أن نعرِّف أبناءنا على وطنهم ذاته ونربطهم به!
نحن بحاجة إلى أفكار خارج الصندوق، وإلى بدء معركتنا ضد الإرهاب من خطها الأول، ومن لحظات تشكلها الأولى وعلى مستواها الناعم البسيط، وهم حتى هذا المستوى سبقونا إليه، سواء بـ «تجنيد وتسييس الأطفال»، أو بنشر دعاوي عدم دخول الجيش الوطني وسطهم بهاشتاجات مريبة، ومن ثم ليس أقل من أن نتحسب لهذا الاستهداف، لا بتسييس مضاد، فهذا إجرام وجور على الطفولة والأطفال مرفوض، لكن بتأكيد براءتهم وحقهم في الحياة الجميلة البسيطة.. عبر الرحلة والسفرية والمشاهدة والتجوال والتقاط الصور والسيلفي بموبايلاتهم في ربوع الوطن ليتعلموا بطريقتهم.. يعني إيه كلمة وطن!
خالد محمود
