بدوية من الصحراء.. أستاذة الأدب الأيرلندي بالجامعة الأمريكية

دسميه رمضان 2

د.سميه رمضان الصدفي أستاذة النقد الأدبي بأكاديمية الفنون والكاتبة والمبدعة.. التقيتها أثناء زيارتها لمحافظة مطروح في فاعليات مؤتمر «نساء الحدود» العام الماضي، حيث نثرت محبتها على الحضور فمست شغاف القلوب.. تحدثت بجودة بالغة فأضحت أيقونة لكل الحاضرات من بنات المحافظة، فقد شممن فيها عبق المرأة البدوية حين تصل إلى هذه المرحلة من امتلاك العلم والقدرة على العمل، فتصبح محفزاً لكل من يخالفها أو يتعامل معها.. ترى في ملامحها تلك الطاقة الإيجابية لنموذج المرأة الناجحة وهي تتحدي الظروف الاجتماعية والاقتصادية وتصر على أن تصل إلى غايتها طالما كانت هذه الغاية نبيلة.

عبر الهاتف كان لقاؤنا.. حوار لم يفصله سوي شكوى هاتفها حين طال الحوار وانتهى شحن الهاتف، فشحذت همته ليعمل على خطاها..
توقفنا عند رسالة التفاؤل التى بثتها د.سميه لكل نساء القبيلة فى مطروح وكل المناطق الحدودية ذات الطبيعة الخاصة، فقالت «اكتبن الأغاني والحكايات لأنها تراثكن الذي لن ينقله أحد سواكن، فكل سيدة منكن هي قاموس البادية، بما تحمله من أفكار ومعتقدات وحكايات تنقلها الجدة لأحفادها، والأم لأبنائها، فكل مجتمع تراثه وحكاياته.. اعتزازه بنفسه وفرص بقائه مرهونة بما ستقدمه النساء، وسيأتي اليوم الذي تكتب فيه المرأة التاريخ.. تكتبه وهي تفكر فى مصلحة أبنائها، وهي تعتز بكينونتها كامرأة وأم»، وتؤكد د.سميه أنها متفائلة وفخورة بكل سيدة تعمل فى ظل ظروف مجحفة داخل الدواوين الحكومية وخارجها، «فالنساء عبقريات في الحفاظ على مكتسباتهن رغم الصعاب».
بدأنا الحوار حين تحدثنا عن النشأة والانتماء القبلي، فقالت «أنتمي للبادية من ناحية الأم حيث تنتمي والدتي إلى قبيلة «الفوايد»، وهي قبيلة عربية نزحت من الأندلس إلى المغرب، واستقرت فى ليبيا، ثم وصلت إلى مصر فى مرحلة لاحقة حين وصل جدها السعدي الأكبر إلى صعيد مصر، وقتها أعطاهم الخديوي العثماني إقطاعية كبيرة نظير حماية التخوم، وقد أنجب ذلك الجد ثلاثة أبناء هم طلوم والحصري والسعدي الابن، وهو جد أمي».
تذكر د.سمية أن جدها الأكبر قد تصادم مع الخديوي بسبب رفضه لجباية الأموال عن الأرض من الفلاحين، «فغضب عليه الخديوي، ووضعه في فوهة المدفع وقام بإطلاقه، وعلى أثر ذلك هربت الأم بأبنائها، واستجارت بقبائل أولاد علي بالصحراء الغربية، حتى صدر عفو من الخديوي عنهم وعادوا مرة أخرى لأراضيهم في مغاغة بالمنيا»، أما الوالد فينتمي إلى القبائل العربية التي نزحت إلى مصر في القرن الرابع الميلادي، فكان اندماجهم مبكراً في المجتمع المصري، وتمدينوا بدرجة أسرع فكانوا علماء أزهريين.
وما مهد لزواج والدتها من سليل عائلة الصدفي علاقة مصاهرة قديمة بين العائلتين حيث أن جدتها لامها هي في نفس الوقت خالة والدها.
تتذكر د.سمية أن جدها لأبيها هو مفتي الديار المصرية الشيخ بكري عاشور الصدفي، الذي رفض تأييد حكم الإعدام في ابراهيم الورداني، قاتل بطرس باشا غالي لأسباب وطنية، وتؤكد أن تعلم أفراد أسرة أبيها مبكراً قد وفر مناخا مناسبا لكل من رجال وسيدات الأسرة على السواء للحصول على قدر كبير من التعليم، تمثل في تعلم الفتيات في مراحل مبكرة للغات الأجنبية والموسيقى.

دسميه رمضان
عن تأثير الجده البدوية في حياة د.سمية تقول «كان لحني «عند» -وهذا هو اسمها- دور كبير في نقل حكايات الأجداد، فقد كانت امرأة ذكية وقارئة جيدة، وكان لها مجلس نساء في العدوه بمحافظة المنيا، حيث تتجمع النساء للتداول في أمور السياسة وأوضاع البلاد، وقد ارتبط ذهني في ذلك الوقت بأدوار الشاي الأحمر الذي حمل في ذاكرتي النسق البدوي في جلسات السمر في تلك الأمسيات البعيدة، والتي كنا نختمها بدور الشاي بالنعناع».
وتضيف د / سميه أن «زواج أمي البدوية بضابط الجيش المصري يأتي في إطار حرص حني «عند» على زواج ابنتها من زوج مثقف، مما أتاح لي ولأخوتي فرص التعليم الجيد في مرحلة مبكرة مع الاهتمام بالثقافة والآداب».
وعن دراستها واهتماماتها الأدبية تقول د.سميه إنها تخرجت من كلية الآداب قسم إنجليزي جامعة القاهرة، وحصلت علي درجة الدكتوراه في الأدب الأيرلندي، وعملت لفترة في الجامعة الأمريكية، ثم تركتها لظروف أسرية بعد ولادة ابنها الأكبر، ثم عملت في إحدى مدارس اللغات بالقاهرة، حيث أسست مركزا لتدريب المعلمات، ثم عملت بعد ذلك كمترجمة بأكاديمية الفنون، والآن تعمل كأستاذة نقد أدبي بالمعهد العالي للنقد الأدبي بأكاديمية الفنون.
عن علاقتها بالأدب تتذكر د.سمية أنها بدأت الكتابة باللغة الأجنبية حتى وصلت إلى سن الأربعين، وبعدها بدأت تكتب باللغة العربية، وكانت أولى كتاباتها «حكايات يحي»، وهي مجموعة قصصية كانت تحمل ردا على تساؤلات كثيرة صعبة طرحها عليها طفلها الثاني يحيي، وعندما حاولت د.سمية الرد جاءت إجاباتها في شكل حكايات فلسفية أكثر منها حكايات أطفال، مما دفعها إلى تغيير الاسم من «حكايات يحي» إلى مجموعة قصصية تحمل اسم «خشب ونحاس»، ثم كتبت بعد ذلك المجموعة الثانية «منازل العمر»، وبينهما قدمت إسهامات كثيرة بعضها منتظمة لمجلة «أخبار الأدب» وبعضها أكاديمي وبعضها نقد ثقافي، حتى كتابة مجموعة «أوراق الترجي» التي حصلت على جائزة نجيب محفوظ.
عن رؤيتها للمجتمعات ذات الصبغة الخاصة مثل المجتمعات البدوية أو الحدودية تقول «يجب علينا أن نحترم حماة الحدود في الصحراء الغربية والشرقية.. فنحن لم ندرك بعد كم الثراء الثقافي المصري في البادية وفي الحضر وفي الريف.. بين الشباب وبين النساء.. هناك شيء مبهر هو حجم الاختلاف الذي يعمق الثراء الثقافي غير المحدود.. ثراء يمكن أن نثري به العالم بأسره.. فنحن أفارقة وبدو وعرب ومسيحيون ومسلمون وفي وسطنا خواجات داخل الإسلام، فمثلاً لدي أخ زوجته إنجليزية، وأختي تزوجت من إيطالي، فيما مضى كان يعتقد أن ذلك ضعف، أما الآن فهو مصدر ثروتنا».
وعن رؤيتها لعدم تهميش المناطق الحدودية أو المناطق غير الحضرية تؤكد د.سمية أن ذلك التهميش مارسه رجال كانوا يحاولون بناء دولة موحدة.. دولة وطنية.. فكانت نظرتهم أحادية لا تراعي تعدد الثقافات المختلفة، خاصة في المناطق الحدودية، كان ذلك فكر زمن مضى، وكان في الوقت نفسه فكر رجال وطنيين، يتمنون إرساء دعائم الدولة، مما دفعهم إلي رفض أي فكر قد يؤدي إلي ضعف هذه الدولة الناشئة في تلك الفترة، وقد كان ذلك الفكر وللإنصاف في كافة دول العالم حتى اكتشف العالم أن التعدية قدرة وليست ضعفا، وأن احترام الثقافات المحلية يقوي الدولة ولا يضعفها.
وعن دور الكاتبة في حل مشكلات مجتمعها المحلية تؤكد د.سمية علي ذلك الدور، تقول «أؤمن إيمانا شديدا بدور الكتابة في تربية الشارع ثقافيا، وهذا ما دفعنى إلي النزول للشارع حين كنت أعيش فى منطقة حدائق الأهرام في منطقة لا تبعد 50 مترا عن مناطق يعيش بها بعض الشباب الذين نطلق عليهم تعبير «المتشددين دينيا»، من الذين رفضوا الاحتفال بالمولد النبوي أو رأس السنة الميلادية، لمقاومة ذلك قمت بدعوة هؤلاء الشباب إلى الانخراط في العمل العام، وقمت بعمل معرض في مدخل العمارة.. مع كل مناسبة يتم عمل معرض فني بعمل شجرة الكريسماس في رأس السنة وبمشنة بها بيض فى شم النسيم، وعرائس المولد في المولد النبوي».
وتتابع الكاتبة البدوية المثقفة «أتذكر أنني في إحدى تلك المرات قمت بمعاونة ابني لتصميم 27 عروسة، وقمنا بتوزيعها علي بنات الشارع»، وعن تجربة «بغلة العشر« تحكي د.سمية أن هذا التقليد تم تنفيذه خلال شهر رمضان بعد يوم 27 من الشهر الكريم، حيث ترتبط الفكرة بليلة القدر، وهي مستوحاة من قصة البغلة التي تمر علي بيوت القبيلة تحمل زكيبة مملوءة بالتبر والذهب، وفي الطريق يتحول التبر إلي تبن، ومنه إلى آخر، ومن هنا قمنا بعمل مسرحية أخلاقية بعد يوم 27 رمضان، وشارك فيها كل سكان العمارة وطلاب في الأكاديمية، حيث قمنا بتنظيم إفطار جماعي في مدخل العمارة لكل سكان الشارع، وجاءتنا شنط فيها هدايا خلال الأيام العشر الأخيرة، وقمنا بتوزيع الهدايا والمعونات علي المحتاجين من أهالي المنطقة.
كما حرصنا على إنشاء عدد من فصول محو الأمية بمرحلة ليست بالقصيرة، ليصل عددها إلى 7 فصول، بعضها تم تخصيصه للمرأة، وتؤكد د.سمية أنها تعمل الآن علي مشروع جديد كخطوة لإنشاء جمعية أهلية بنفس الاسم، «شارعنا» حيث تحاول من خلال المشروع أن يتعرف سكان الشارع علي بعضهم البعض، وأن يحدث بينهم شكل من أشكال التكافل الاجتماعي، «بدأنا ذلك بجمعية لكل المشاركين من 5 إلى 10 جنيهات شهرياً، لتجميع 300 جنيه شهريا تقدم للمحتاجين من شباب الشارع، وتدعو د .سمية إلي التوسع في تلك الفكرة وتعميمها علي كل المحافظات كدعوة للتكافل الاجتماعي.
أما عن علاقه الدكتورة سمية بأولادها فتقول أنا أم غير تقليدية وأولادي يشبهونني كثيرا، فهم لسانى حين أود أن أوصل فكرة من أفكاري للمقربين إلى من أسرتي، يدافعون عنها بمعتقداتي ويؤمنون بها.
د.سمية لديها ولدان الأكبر يعمل في شركة هندسية في أستراليا والأصغر فنان تشكيلي يعيش في القاهرة.

دسميه رمضان 3
وعن رسالتها للمجتمعات القبلية تقول «يجب أن تحرص علي تعليم الفتاة كما تعلم الولد وألا يزداد حس التفاخر والتعالي الذي يعطل تقدم المجتمع، هذا التفاخر بين رجال القبائل دفع أحد أخوالي للمطالبة بعرش ليبيا في يوم من الأيام، وهي نقيصة نحتاج إلي إصلاحها.. بقليل من الديمقراطية ينصلح الحال.. خاصة وأن هناك قيما داخل القبيلة هي مصدر قوتنا، ويجب أن تستخرج منها، بتنقيتها ونطيح بعوامل الضعف بعيداً حتى نحافظ علي النسق الاجتماعي للقبيلة القوية الضاربة بمزودها عبر التاريخ».

أم العز بريك

(عن عدد نوفمبر 2014)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *