دراويش الأستاذ في مأزق مركب.. وعاجزون عن المناقشة

Haikal small

في 23 سبتمبر الماضي احتفل «دراويش الأستاذ» محمد حسنين هيكل بعيد ميلاده الواحد والتسعين، ولم يكلف أحدهم خاطره أن يبحث في تاريخ الرجل، لكي يتأكد إن كان يستحق كل هذا الزخم الاحتفالي، ولا يكتفي هؤلاء «الدراويش» بعدم اتباع القواعد المهنية في التعامل مع ظاهرة ما، بل يواجهون من يفعل ذلك «بنهش معنوي» وأحيانا بدفعات من السباب والشتائم، مثل هذا السلوك «الهمجي» ليس غريبا.. فالذين اعتادوا على تبجيل هيكل ومنحه ألقابا غير منطقية على شاكلة «الأب الروحي للصحافة في العالم» و»أهم صحفي في تاريخ الصحافة» (مثلما فعل حلمي النمنم في معرض الكتاب – فبراير 2014) يجدون أنفسهم في مأزق حين يواجهون نقدا موضوعيا علميا لسيرة هيكل، فمن ارتدى لسنوات غمامة التقديس لشخص ما يجد صعوبة في نزعها عن عينيه ليرى الحقيقة المرة دفعة واحدة، فيلجأ للتشكيك في نوايا ودوافع منتقدي هيكل ويتهمهم باتهامات يصعب التدليل عليها، ومن المعلوم أن النوايا والدوافع لا دليل قاطع عليها.. اتهامات على شاكلة أن المنتقدين «هواة شهرة أو مدفوعون من جهات وأنظمة انتقدها هيكل»، ولا ينتبه الدراويش أنهم عرضة لاتهامات مشابهة – يصعب التدليل عليها أيضا – مثل أنهم «منافقون أو تتملكهم مشاعر الدونية وعبادة الفرد أو طامحون لأن ينعم عليهم هيكل صاحب الامبراطورية المالية والإعلامية والنفوذ الواسع ببرنامج تليفزيوني هنا أو منصب إعلامي هناك أو نشر كتاب لأحدهم في دار نشر يسيطر عليها مقابل عشرات الآلاف من الجنيهات»، عندئذ يخرج الجدل حول هيكل من حيز الموضوعي إلى حيز الشخصي فينحط مستوى النقاش.

في إطار شهادته لي عن هيكل أقر كاتب صحفي مصري مخضرم – احتفظ باسمه حتى لا أقحمه في عركة لا يريدها لأسبابه الخاصة- بأن هيكل دائما ما يجمع حوله عددا من الصحفيين ورؤساء التحرير، يهدي أحدهم معلومة أو حديثا أو حتى وظيفة خاصة، في مقابل أن يكونوا على أتم الاستعداد في لحظة ما لأن «يطلقهم كالكلاب» (والتعبير للكاتب الصحفي المخضرم) على خصومه أو منتقديه.

دراويش هيكل في مأزق مركب، ففي دفاعهم عنه لا يملكون غير كلام عابر ولغة إنشائية ومبالغات غير مفهومة، أحدهم أبدى دهشته ذات يوم عام 1996 عندما تصدى مجموعة من شباب الصحفيين في جريدة الدستور –في إصدارها الأول- لانتقاد هيكل، متسائلا «كيف تنتقدون هيكل وهو «ضمير أمة»؟، رغم أن «ضمير أي أمة» لا يمكن أن يختزل في شخص، وقتها قلت له إن من الخطأ منح مثل هذا اللقب المجازي لعبد الناصر نفسه – رغم عدم الاختلاف بيننا على وطنيته وحسه الاجتماعي والإنساني وإنجازات حكمه – وأن التعبير ربما يكون منطقيا لو أطلقناه على مجموعة من الزعماء وقادة الرأي ورواد الثقافة والفن على مدار تاريخ مصر الحديث.

فهل يبدو منطقيا أن يكون «ضمير الأمة» حسب تعبير درويش هيكل القديم على علاقة مثيرة للشكوك مع مسئولين أمريكيين أغلبهم ينتمون لأجهزة المخابرات الأمريكية ومنذ وقت مبكر للغاية في سيرته الصحفية؟ وأن يتمتع بنفوذ عجيب لديهم حتى أن اللقاءات الثلاث التي تمت عام 1953 بين عبد الناصر وولتر ليبرمان -أعظم صحفيي القرن العشرين بتعبير هيكل- قد جرت في منزل هيكل، وحسب نص كتابه «ملفات السويس» صـ 281.

ادعاء وحيد لدراويش الأستاذ ربما يستحق التعقيب، أن هيكل يترفع عن تحريك دعاوى قضائية ضد منتقديه من الصحفيين.. وقد يكون الادعاء صحيحا، لكن السؤال الذي لا يستطيع هؤلاء أن يطرحوه على الأستاذ في جلساتهم الخاصة، منفردين أو جماعات، هو لماذا «يترفع» هيكل عن تحريك دعاوى قضائية ضد منتقديه من غير الصحفيين؟ مثلما لم يفعل مع الرئيس الراحل محمد نجيب، الذي قال في كتابه «كلمتي للتاريخ» إنه استعلم عن هيكل حين حاول التقرب إليه في بدايات ثورة يوليو 1952، فجاءته نصيحة المخابرات الحربية «بعدم الجلوس مع شخص يتعامل مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ولأنه كان يتقاضى مقابل إعلانات من عبود باشا في صحيفة آخر ساعة وأخبار اليوم»؟، وما قاله نجيب كان في سياق رده على اتهام هيكل له بتقاضي رشوة من المخابرات المركزية الأمريكية قدرها 3 ملايين دولار، ورفع نجيب دعوى ضده، ورفض التنازل عنها ما لم يعتذر هيكل الذي اعتذر بالفعل على صفحات الأهرام.

الأغرب أن هيكل لم يرفع دعاوى قضائية ضد ولبر كراين إيفيلاند -ممثل البنتاجون في التفاوض على صفقات السلاح مع مصر في عهد عبد الناصر- الذي قال في كتابه «حبال من الرمال»: «منذ أوائل الخمسينيات جند كيرميت روزفلت ومحطة السي أي إيه في القاهرة، ثلاثة من الصحفيين المصريين البارزين «كعملاء» للمخابرات الأمريكية هم محمد حسنين هيكل والأخوين مصطفى وعلى أمين».. فلم يرد هيكل على ذلك، ولم يقاض المؤلف ولا ناشر الكتاب، وكان جديرا به أن يفعل.

Ayman 3

أيمن شرف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *