تفاحة داعش

newton 2

حين سقطت التفاحة فوق رأس نيوتن انتبه إلى قانون الجاذبية الأرضية… ليست القيمة فى سقوط التفاحة بالطبع بل في تفسير سقوط التفاحة إلى أسفل.. ولماذا لم تسقط إلى أعلى؟ حين سقطت التفاحة على رأس نيوتن، سقطت الأسئلة على رأسه أيضا، إلى أن توصل إلى معرفة قانون الجاذبية الأرضية الذي جعل التفاحة تسقط إلى أسفل وليس إلى أعلى أو إلى أي اتجاه آخر.. بنفس الطريقة سقطت فوق رأس الأمة العربية “داعش” فى 2013، وقد كان أول ظهور للاسم الجديد – الدولة الإسلامية في العراق والشام – «داعش» في أبريل 2013.
ليس المهم هنا مناقشة متى خرجت داعش إلى الوجود، بقدر مناقشة أهم لأسباب انتشارها وبقائها.
العامل الاقتصادي الذي ترتكز عليه داعش هو سبب رئيسي فى بقائها على قيد الحياة كتنظيم له أساليب مغايرة فى نشر فكر الجهاد من منظور خاص يصل إلى حد نشر الدموية، ويؤسس لبقاء الأقسى والأقوى بين التنظيمات المتشددة التى عرفها العالم.
وأغلب الظن أن تفاحة داعش مازالت طزاجتها محل اهتمام ومسار دهشة كثير من المراقبين حول العالم..
في تقرير صدر مؤخرا لمجلس العلاقات الدولية أكد أن بدايات الانتعاش الاقتصادي لتنظيم داعش كانت متأخرة في حدود 2013، قبل تحول الاستيلاء على الموصل الذي يعده الخبراء نقطة تحول اقتصادية كبرى، ليس في مسيرة «داعش» فحسب، بل في كل العمل المسلح في المنطقة، فـ «داعش» ما قبل الموصل كانت تحصل على ما يقرب من عشرة ملايين دولار شهريا من خلال سرقة الأموال وفرض الضرائب على أصحاب العمل المحليين، بل واقتطاع حصص من المساعدات الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في مقابل الإذن بالعبور إلى أماكن تقع تحت سيطرتها فى العراق وسوريا، وهو سلوك لم يأت مصادفة، بل من الواضح أن «داعش»، وخلافا للتنظيمات الأخرى، تطور من سلوكها الإداري على الأرض على طريقة العصابات، أكثر من بناء برنامج عمل مستقى من التصورات الإسلاموية لشكل الدولة، وتتحدث التقارير باستفاضة حول ميزانية «داعش»، بينما يجزم معظمها بأن رأسمال التنظيم لا يقل عن ملياري دولار.
وقد كشف تقرير مهم لشبكة «سي. إن. إن» الإخبارية أهم محاور التمويل لـ«داعش» التي احتكمت إلى منظومة أخلاقية مفارقة للأسلوب التقليدي في التمويل الذي كانت «القاعدة» تتبعه في مراحلها السابقة، من جملتها المنح والتبرعات وبيع النفط الخام، المخدرات وغسيل الأموال والابتزاز والغنائم، وهناك حديث عن ثروة عينية من الذهب فقط تقدر بـ430 مليون دولار.. إذن فبقاء طزاحة تفاحة داعش مرتبط بقوتها المادية، وبرغم لغة الخطاب التدميري الذى تصرح به الولايات المتحدة في حديثها إلى العالم ومحاولاتها الاعلامية لتجييش قوات دولية للقضاء على تنظيم داعش، يبدو واضحا أن هناك ازدواجية في منطلقات ومعايير التصرف الأمريكى حيال التعامل مع التنظيم..
فبينما تدعو الولايات المتحدة إلى تكثيف الجهود الدولية من أجل القضاء على التنظيم وخاصة بعد ارتفاع وتيرة الدم باستهداف الداعشيين لعدد من الصحفيين الأمريكيين وذبحهم وبث عمليات الذبح عبر وسائل الانترنت نرى الدولة الأمريكية تتعاطى مع المشهد الداعشي بازدواجيه تغلب المصالح الأمريكية على حياة مواطنيها، إذ أن بطء العدالة ظلم بين، وبالتالي فإن التأخر في القضاء على داعش باستخدام قوات برية حيث يتحدث المسئولون الأمريكيون وأولهم رئيسهم باراك أوباما عن أن القضاء على التنظيم سيأخذ وقتا لا يقل عن ثلاث سنوات، وهو ما يمهد بشكل آخر لاستفادات أوروبية وأمريكية من نفط الخليج الذي انخفض سعره من 100 دولار للبرميل إلى نحو ثمانين دولارا للبرميل، أي أن تصدير الأزمة مع داعش بالشكل البطىء الذي تتعاطى به الولايات المتحدة يعطى مساحة أخرى للاقتصاد الأمريكى لكي يربح من فروق أسعار النفط، والتى تعود بالإيجاب على المحفظة المالية الأمريكية.

samir4

ولا ننسى أن الدول الأوروبية أيضا تتعامل مع المشهد الداعشى بنفس الازدواجية، فهى تعلن كاتحاد أوروبي عن مشاركتها فى التجييش للقضاء على داعش، بينما تقوم بعض دول الاتحاد في مشهد جانبي بشراء النفط من داعش بأسعار تصل إلى عشر قيمته السوقية.
هذه الازدواجية هى التى تطيل من عمر طزاجة تفاحة داعش وتعطل من عطبها لكي تسقط سقوطا حرا كالتفاحة الطبيعية.
هذا من ناحيه اقتصادية، أما بالنسبة إلى الجانب السياسى فإن بقاء داعش كفصيل سني متشدد أطول فترة ممكنة في منطقة الشرق الأوسط يمثل عاملا استراتيجيا لإيهام العدو الاستراتيجى للولايات المتحدة بالمنطقة والمعروف بـ “إيران” بأن هناك خطر سني من الممكن أن يتجه إلى إيران “الشيعية” بعد الإجهاز على “ألسنة” إيران الشيعية في العراق والشام.
لكن المهم فى المشهد الآن أن نقول إن عطب تلك التفاحة سريعا سيعود بالخسارة على الكتلتين السياسيتين المتصدرتين للمشهد فى العالم العربي وهما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وللحديث بقية.

Ali Alshoky

علي الشوكي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *