لا شك أن روسيا -بحكم الجغرافيا والتاريخ- تقف في معسكر مكافحة الإرهاب، وقد نكأ الحادث الإرهابى الجبان فى سيناء الغالية وراح ضحيته 27 جنديا مصريا جراحا قديمة عند روسيا، فقد تذكرت حرب الشيشان التى أشعلها إرهابيون إسلاميون أرادوا إقامة دولة خلافة في داغستان وإنجوشيتيا والشيشان فى شمال القوقاز، ولم تكن أحداث الحرب الضروس التى امتدت سنوات قام خلالها الإرهابيون بتفجير المنازل فى قلب العاصمة موسكو على رءوس سكانها الآمنين ببعيدة عن ذهن الرئيس الروسى وهو يتحدث عقب حادث سيناء الإجرامي.
أرجو ألا يعتقد البعض أن الإرهاب في منطقتنا بعيد عن روسيا فالعراق ليس بعيداً عن روسيا التى تمتد أراضيها إلى بحر قزوين مع إيران المجاورة للعراق بدورها، كما أن هذه المناطق ليست بعيدة عن دول وسط آسيا ومنطقة شمال القوقاز فى روسيا، أى أنها تخشى من اشتعال الموقف من جديد فى القوقاز لدرجة أن الرئيس الشيشانى رمزان قاديروف طالب بقطع الإنترنت فى جمهورية الشيشان حتى يحرم تنظيم داعش من تجنيد مواطنين شيشانيين فى صفوفه، وكنوع من الدفاع الشرعى عن النفس صب الرئيس الروسى فلاديمير بوتين جام غضبه على سياسات الغرب والولايات المتحدة فقال إن «الغرب والولايات المتحدة هم الذين يدعمون الإرهابيين فى سوريا وظهور تنظيم الدولة الإسلامية، وهم الذين دعموهم فى أفغانستان وكانت النتيجة ظهور طالبان والقاعدة، وهم يدعمون المتطرفين فى وسط آسيا»، مضيفا أن روسيا لم تنس ذلك، وتساءل «هل جلب تدخل الولايات المتحدة فى ليبيا والعراق ومحاولاتها فرض القوالب السياسية التى تريدها الخير والاستقرار؟ وأجاب «بالطبع لا، بل أدت إلى تصعيد التوتر وانتشار الفوضى وليبيا الآن على حافة الانهيار كدولة، وأصبحت ميدانا لتدريب الإرهابيين من كل دول العالم، وبدلا من العمل على قيام دول مستقرة، دعم الغرب «النازيين الجدد» -فى إشارة إلى أوكرانيا والإسلاميين المتطرفين-، وانتقد بوتين موقف الغرب من الحرب الأهلية فى سوريا، فقال إن الولايات المتحدة هي التى مدت المتطرفين بالسلاح وسمحت بقدوم المقاتلين من كل دول العالم.
وانتقد بوتين محاولات الهيمنة الأمريكية من خلال الضغوط الاقتصادية التي تمارسها على الدول لإخضاعها واستخدام الدعاية المضادة وفى النهاية استخدام القوة إذا أمكن، واستنكر السياسة الأمريكية في تكوين تحالفات ضد الدول التى لا تتفق مع سياستها، بهدف الهيمنة والتخلص من الأنظمة التي لا تريدها، وأشاد بوتين بما حدث فى 30 يونيو وقال إن مصر جنبت نفسها الفوضى الجارية في المنطقة في الوقت المناسب.
تنطلق روسيا فى مكافحتها للإرهاب من موقف
أصيل وثابت فهي قد عانت منه فوق أراضيها ولسنوات طويلة، وهي قلقة للغاية من تنامي نفوذ تنظيم داعش فى العراق، مما يلهم العصابات الإرهابية في الشيشان والإرهابيين فى داغستان الذين يطلون برأسهم من حين لآخر فى عمليات خاطفة ضد رجال الشرطة الروس، لكن الأهم من ذلك أن روسيا تخشى من حدوث قلاقل فى منطقة وسط آسيا المتاخمة لمنطقة الفولجا، والتى لا تتحكم روسيا فيها ولن تستطيع محاربتها وإن كانت تتعاون أمنياً معها، حيث تعيش أغلبية مسلمة، خاصة إذا عرفنا أن موطن حزب التحرير الإسلامى هو أوزبيكستان، وبدأت قواعده تنتشر فى شبه جزيرة القرم التى يعتبر 20% من سكانها من المسلمين التتار، وفى منطقة الفولجا توجد جمهوريتان ضمن الاتحاد الروسى معظم سكانهما من المسلمين، ناهيك عن أن روسيا ألقت القبض على بعض الخلايا المتطرفة فى هاتين الجمهوريتين وصادرت كتبا ومنشورات وهابية خاصة بتنظيم القاعدة وحزب التحرير الإسلامى، وقد أعربت روسيا عن قلقها للسلطات المصرية أكثر من مرة، -حسب عدد من المتخصصين الروس فى شئون الشرق الأوسط- من انتشار التطرف عبر الطلاب الروس القادمين من شمال القوقاز ويدرسون فى جامعة الأزهر، وليس أدل على جدية احتمال كهذا من إلقاء الشرطة فى مصر على طالبين روسيين فى الأزهر وسط مظاهرات مؤيدة لجماعة الإخوان الإرهابية وكانوا ضالعين فى أعمال تخريبية مع طلاب الجماعة، وقد طلبت روسيا أكثر من مرة من السلطات في مصر التعاون فى المجال الأمنى لتحقيق نوع من الحصانة للمجتمع الروسى ضد التطرف، وأتصور أن الوقت قد حان لتوثيق هذا التعاون.
ولا شك أن التعاون مع روسيا فى مكافحة الإرهاب سيكون مفيداً جداً سواء لمصر وروسيا وخاصة فى تبادل المعلومات وتدريب الكوادر على طرق الوقاية والتقليل من الخسائر والإجراءات الأمنية لدرء العمليات الإرهابية وإحباطها في مهدها، وروسيا لديها خبرة عريضة فى هذا المجال وربما تكون مستعدة لتدريت رجال الأمن وتزويد مصر بمعدات تساعد على حفظ الأمن، خاصة تلك التى تساعد على مرونة الحركة فى سيناء.
ورغم أن مصر ليس لها حدود مشتركة مع روسيا لكن قيام بعض الطلاب الروس من القوقاز والمقاطعات المسلمة الروسية بالدراسة فى جامعة الأزهر يشكل خطرا عليها.
وروسيا لا تلعب بورقة الأديان والمذاهب فى صراعها السياسى ودائما ما حذرت من اللعب بالدين لتحقيق أهداف سياسية، كما أن روسيا التى يقطنها عدد كبير من المسلمين يقدر بحوالى 25 مليون مسلم لا تريد الدخول في معترك صراعات دينية، لأنها محاطة كذلك بدول إسلامية منها أفغانستان ودول وسط آسيا وقد يؤدى اللعب بورقة الدين إلى متاعب حقيقية للدولة الروسية مترامية الأطراف، فيما يؤكد بعض المراقبين أن الولايات المتحدة تحاول خلق فزاعات لدول الخليج من أجل السيطرة عليها، تارة تكون هذه الفزاعة صدام حسين وتارة إيران بملفها النووى، وعندما أوشكوا على التفاهم مع إيران قرروا خلق تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام وفى نهاية الأمر الهدف النهائى هو خلق محور سنى لمواجهة محور شيعى وتفوز إسرائيل وسط هذا بالأمن ويتحول الصراع إلى سنى ـ شيعى بدلا من عربى ـ إسرائيلى.
د.نبيل رشوان
الخبير في الشئون الروسية

