أعادني صديقي «الفيلسوف» أيمن شرف إلى «أجمل 7 أيام» قضيتها في حياتي، بعيدا عن «صخب القاهرة»، عندما طلب مني الكتابة عن هذه البقعة الجميلة من أرض مصر في «جورنال مطروح»، فهو يعرف كم أنا مغرم بحديث الذكريات، «فالإنسان يحيا بما لديه من ذكريات»، كما قال ماركيز، وهنا لدى ذكريات في «غرام مطروح».
مشهد 1
هنا مطروح، نسمات صباح البحر تداعبنا، قبل أن نهبط من الأتوبيس، كنا جماعة من الصحفيين وأسرهم، وصلنا إلى «معسكر 6 أكتوبر» بسلام، الرحلة كانت «مرهقة»، لكن الجدل الذى أحدثه دخان «بايب» صديقي الأستاذ أحمد يحيى نائب رئيس تحرير وكالة انباء الشرق الأوسط، طوال طريق كان ممتعا، وأنسانا «طول المسافة».
مشهد 2
هواء مطروح النقي أنعش خيالي، فقررت أن اتحدى موج البحر ورهبته، وأسبح متحديا «جهلي الكبير» بفن العوم، وقفزت من الوضع طائرا، في مياه شط «ليلى مراد» الذى حافظ على نقائه منذ أيام ليلى ـ وهذه معجزة في حد ذاتهاـ قلت في نفسى: «لماذا لا أتعلم السباحة، صحيح تجاوزت السابعة والعشرين من عمرى، لكنى أحمل قلب طفل، فما المانع أن أتقمص دور طفل، وأتعلم العوم»، خاصة وقد وجدت ضالتي: «صخرة كبيرة» يمكنني التعلق بها، وبدأت المغامرة وسبحت عدة أمتار، وأيضا قمت بعدة «غطسات»، وتذكرت على الفور «مايكل فيلبس» بطل العالم في السباحة القصيرة.
مشهد 2
جولة سريعة في شوارع مدينة مطروح، بعيدا عن شواطئها المزدحمة بالمصريين من كل المحافظات، كانت كفيلة برسم «صورة بائسة»، لحال هذه المدينة التي لا تتذكرها الحكومة إلا في موسم الاصطياف، فالشوارع الرئيسية «متصحرة»، تغزوها الرمال من الجانبين، والحفر تعترض طريقك كل «غمضة عين»، قررنا أن نلتقى بالمحافظ لننقل له ملاحظاتنا، لكن المفاجأة أن زميلا مسنا سبقنا، وأجرى حوارا معه نشره في صحيفته، بشر فيه القراء بـ «أن ليس في الإمكان أبدع مما كان».
مشهد4
كسرنا روتين المعسكر اليومي، وعزمني الراحل الكريم عم أحمد يحيى، ونجليه محمد ومحمود، على مشويات في مطعم قريب من كورنيش المدينة، وللمرة الأولى أتذوق لحما شهيا، لا يقل حلاوة عن «لحمة الصعيد الجواني»، وعندما أبديت دهشتي، عرفت أن ذبائح المطعم الذى يملكه أحد أخوتنا من بدو مطروح، لا يبيع إلا لحوم أغنام تربت في مراع طبيعية، وهو الشائع في محافظات الصعيد، وهنا تذكرت السمات الشخصية، التي تجمع بين الصعيدي وبدو مطروح، خاصة عفويتهما، ربما لتشابه البيئة المحلية، وربما أيضا لتقارب جيناتهما، فبعض القبائل العربية التي سكنت صعيد مصر منذ مئات السنين، هاجرت من المغرب العربي عبر بوابة مطروح، كما أن قبائل بنى سليم، ومن بطونهم الوشاشات والحميدات وأولاد سالم والبلابيش والقرعان في قنا وسوهاج، ليسوا سوى أبناء عمومة لقبائل أولاد علي «الأبيض والأحمر» في مطروح والفيوم والمنيا، وهي أيضا تنتمى لقبيلة «بنى سليم بن منصور»، التي هاجرت بكثافة مرتين من نجد والحجاز، فيما عرف بالتغريبة الأولى والثانية، وساهموا مساهمة فعالة في «فتح الأندلس».
مشهد 5
قبل أن نغادر مطروح، كان كل فوج صحفي يكتب مجلة حائط ويعلقها في المعسكر، دعاني الزملاء للكتابة، فكتبت مقالا قصيرا بعنوان «عيش وملح.. وشقاوة أطفال»، ترى ماذا حصل في مطروح بعد 18 عاما من هذه الرحلة، وماذا قدمت الدولة لأهلها الطيبين بعد ثورتين.. و3 رؤساء؟
ياسر مشالي

