أيمن شرف

Ayman 3

قبل عشرين عاما تقريبا كنت أقرأ للمرة الثانية كتاب «شخصية مصر – دراسة في عبقرية المكان» للراحل جمال حمدان .. قرأته للمرة الأولى وقت أن كنت مشغولا بالإجابة عن السؤال: ما هي محددات الشخصية المصرية والعوامل الحاكمة لسلوكها؟ وكان قد استقر رأيي فيما بعد على أن سمات أي شخصية «قومية» ليست أبدية، قد تبقى كما هي لفترة من الزمن إن ظلت المؤثرات قائمة، أو تتغير تدريجيا بتغير المؤثرات في تكوينها.
في القراءة الثانية كنت أستعد للكتابة النقدية عن «حمدان» في جريدة الدستور في إصدارها الأول 1996-1998، وعما تبقى من رؤيته صحيحا، والتعليق على من أساءوا فهم عنوان كتابه التأسيسي، وأسقطوا على شخصية مصر «عبقرية أبدية»، رغم أن الرجل كان يبحث في تأثير الجغرافيا (التضاريس والمناخ والموارد الطبيعية) في تكوين أجيال عاشوا في مكان واحد لزمن بعيد، بكل ما يحتمل أن تشكله الجغرافيا من سمات سلبية أو إيجابية -وفقا لتصور ما عن الإيجابي أو السلبي-، وللأمانة ظلت رؤية حمدان لتشكيل الجغرافيا للبشر صامدة أمام البحث، وإن كان من الضروري مراعاة المستجدات الاجتماعية والتاريخية المؤثرة في «بنية الشخصية القومية».. فأبدية الجغرافيا لا تعني أبدية السمات العامة للشخصية القومية.. الأرض المنبسطة وشريان الحياة في وسطها – نهر النيل- وفرا فرصة نادرة للتواصل الدائم والمنتظم بين المجموعات البشرية، فتخلقت إمكانية الاندماج الثقافي والمعرفي والاجتماعي بينها، وأوجد ارتباط تلك المجموعات البشرية بمصير واحد في ظل أخطار ومصالح مشتركة احتياجهم المباشر للتكافل والتضامن، وأوجد احتياج الكل إلى سلطة مركزية تنظم أحوال النهر والري والزراعة ارتباطا شديدا بها.. هذا الكلام في مجمله صحيح في تفسير نشأة مصر على أرض الوادي، لكن سلسلة طويلة من عناصر أخرى ساهمت في تشكيل «هوية» المصريين، وخلقت سمات معينة في شخصيتهم، قد لا يتسع المجال هنا لتفصيلها.
في القراءتين توقفت كثيرا أمام عبارة «حمدان» عن أن «القاهرة باتت رأسا بلا جسد».. كيف واتاه ذلك التشبيه العبقري الدال على وضع القاهرة بين بقية أقاليم مصر؟، من أين جاءته الفكرة؟، لا بد أنه كعالم للجغرافيا انخرط لزمن طويل في تأملات عن أنثربولوجيا مصر -دراسة علم الإنسان- فرآها على الخريطة رأسا ضخما بلا جسد.. حالة من التمركز الشديد، في السكان والخدمات والطرق.. زحام ما بعده زحام.. زحام حتى في التفكير، جعل صحافتها نفسها تتمحور حول تلك المدينة الضخمة، ففيها كل شيء، السلطة السياسية والمركز الثقافي والنخب السياسية والأدبية والأكاديمية.. وكأن ما وراءها خلاء مطلق.
كنت وقتها أنتقد بشدة «مركزية الصحافة» وأصفها «بالصحافة القاهرية» وليس «الصحافة المصرية أو القومية»، فما عدا أحداث القاهرة لا يجد مكانا إلا في صفحات الحوادث أو المحليات، حيث أخبار الأقاليم مجرد مشاكل في الزراعة أو الصرف الصحي أو الطرق، وكأنه لا توجد حياة اجتماعية وثقافية نابضة في أنحاء مصر غير القاهرة، وبعد عدة سنوات تغير حال الصحافة قليلا، وتوسع اهتمامها بالأقاليم إلى ما هو أبعد من أخبار الحوادث والمشاكل، فقد أصبحت الأقاليم نفسها محورا للحدث العام، وتحول بعضها رقما مهما في الاقتصاد، خاصة في مجال السياحة، (الغردقة ومرسى مطروح – على سبيل المثال)، وصار البعض الآخر رقما مهما في السياسة والأمن (شمال وجنوب سيناء- والأخيرة رقم مهم أيضا في السياحة)، لكن الصحافة الإقليمية باتت كما هي راكدة، تظهر بين الحين والآخر صحيفة هنا وصحيفة هناك، تحقق مصلحة سريعة لأصحابها، لكنها لا تقوم بالدور الواجب في الإقليم الذي تصدر منه أو تغطيه تنمويا ومهنيا.
في يوم من الأيام حلم السادات بتطبيق «لا مركزية» الأقاليم الألمانية في مصر، ومرت السنوات.. وها هو السيسي يطرح مشروعا جديدا، لو كتب له النجاح -بوقوفنا جميعا معه- لتغيرت طبيعة الإقليم المصري كلية، ولتحققت أمنيات جمال حمدان في ستينات وسبعينات القرن الماضي، أن نتحول من دولة نهرية إلى دولة بحرية، امتداد الأقاليم الداخلية إلى البحر سيساهم في تغيير البنية الثقافية نفسها، صحيح أن بيروقراطية الدولة العتيقة ستقاوم ذلك التغيير، وصحيح أن أصحاب المصالح القدامى -والجدد أيضا- سيقاومون، ويحاولون توظيف التغيير لصالحهم، لكن عموم المصريين – أو «ملح الأرض» بتعبير رئيس التحرير والصديق علي الشوكي- الذين راودتهم الأحلام والأماني في حياة أفضل خلال السنوات الثلاثة الماضية باتوا قوة لا يستهان بها، وباتت رقابتهم على السلطة المركزية أوسع وأقوى، وأصبحت كلمتهم في الحسبان دائما، فقد تغيرت «السمات الشخصية» للمصريين، لم يعودوا «مستكينين للسلطة المركزية» كما رصدهم قلم جمال حمدان في كتابه الشهير.
ها هي مصر «الأقاليم» تخطو خطواتها نحو واقع جديد.. وها هي جريدة جديدة تولد في أحد الأطراف – كما يحلوا للقاهريين أن يشيروا لبقية أنحاء مصر وفي ذهنهم أنهم يعيشون في المركز- وها أنا أشارك مع «علي» في تجربة أتمنى أن تقوم بدورها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي كنت أنتقد غيابه عن «الصحف المصرية أو القومية».. نبذل أقصى ما نستطيع من جهد في التحرير والإخراج، لكن المعادلة تكتمل «بملح الأرض»: القراء.. مواطنين ومسئولين، ولأننا لسنا جريدة يقف وراءها «رجل أعمال»، أو مؤسسة تتلقى دعما خارجيا بدعوى «التنمية المحلية الإعلامية»، ولأننا صادقون.. نتوقع أن يصدقنا القراء، ونتمنى أن تكون مطبوعتنا جديدة على قارئها، وجديرة بأن يتابعها ويتابعنا فيها.
ملاحظة أخيرة.. نسيت أن أكتب عنوانا لهذا المقال، ظننت أن اسمي قد يكفي عنوانا لكتابتي، أو أن العنوان الذي وضعه «علي» لمقاله “أن تكون جورنالجيا” يكفي لأن يكون عنوانا لهذه الصفحة الأخيرة.. فأن تكون جورنالجيا في مصر، يحرص على أمانته واستقامته ويقدم رسالة إنسانية وثقافية لأهله كانت ومازالت مسألة صعبة في هذا الجيل.. كل ما أتمناه أن ألقى ربي وأنا «جورنالجي» يبحث عن وجه الحقيقة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *