يقول »يفجيني ساتانوفسكي» رئيس معهد الشرق الأوسط في روسيا بصحيفة «فزجلياد» (وجهة نظر)، إن : الافتراض بأن الأزمة الحالية بين موسكو وكييف هي نتيجة سعي القيادة الأمريكية لوضع منظومة نقل الغاز وتوزيعه في أوكرانيا تحت سيطرتها، افتراض منطقي، خاصة بعد أن تدخل نجل نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن في مجمع الطاقة الأوكراني نتيجة للإطاحة بالرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش.
والحقيقة الوحيدة في هذا الموضوع هو السعي لتقليل اعتماد أوروبا على الغاز الوارد من شركة «غازبروم» الروسية بهدف إضعاف روسيا، وليس مهما إن كانت أوكرانيا هي التي تقوم بذلك أو أي دولة أخرى، لكن المهم أن الأمر أدى إلى نشوب ما يعرف بحرب الأنابيب.
نزاع معلن لا مواربة فيه
أثار خروج شبه جزيرة القرم من تحت السيادة الأوكرانية وضمها لروسيا بلا شك انتباه الخبراء، وكان نتيجة هذا التصعيد الواضح داخل أوكرانيا نشوب حرب أهلية، وما تلا ذلك من عقوبات غربية على روسيا، ومن ثم التقارب بين موسكو وبكين وغيرها من الإجراءات، التي تستهدف بناء توازن أوروآسيوى مع الغرب.
من هذا المنطلق بالتحديد، يجب النظر إلى العلاقات التي تربط اللاعبين الإقليميين الرئيسيين ومراكز القوى الخارجية، والتي تشمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا وتركيا والصين وإيران وإسرائيل والسعودية وقطر والهند وباكستان والناتو، ومنظمة شنغهاي للتعاون.
كنت ومازلت أتابع تعليقات وسائل الإعلام على التشابه والاختلاف بين الانتخابات الرئاسية التي جرت في كل من أوكرانيا والجزائر ومصر وسوريا وإسرائيل، والانتخابات البرلمانية في العراق، وقد انتابني إحساس غامض وغريب، من ناحية الاهتمام الذي يوليه الخبراء لهذه الانتخابات، وهو أمر لا يتناسب مع أهميتها لتحديد مصير العالم، أو حتى تحديد مصير دولة محددة وعلاقتها بمحيطها الخارجي وأهمية من يحكم هذه الدولة أو تلك.
ففي واقع الأمر المصالح الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية الاستراتيجية للقوى العظمى وأتباعهم وحلفاءهم هي التي تحكم العملية، والديموقراطية ليست إلا آلية لتحقيق مصالحهم، وهو ما يتحدث عنه الرئيس الأمريكي الحالي بصراحة تامة، فميزة باراك أوباما أنه يتحدث عن طموحات بلاده بوضوح، ويضع النقاط على الحروف بينما كان يفضل أسلافه المواربة.
روسيا والصين والهيمنة الأمريكية
الهدف الأساسي للرئيس الأمريكي هو الحفاظ على الهيمنة الأمريكية بأي وسيلة وبأي ثمن، ووفق رأيه فإن الدولتين اللتين تعيقان هذا هما روسيا والصين.
بمعنى أدق أن الولايات المتحدة كانت تسعى في الفترة الأخيرة لمنع الصين من أن تصبح قوة عظمى، وكانت الاستراتيجية الأمريكية تعتبر روسيا بعيدة عن فلك الدول العظمى، وقد ظهر هذا بوضوح من خلال تعيين السفراء الأمريكيين في موسكو، فبدلًا من شخص متميز جدًا مثل وليم بيرنز، تم تعيين دبلوماسي عادي هو مايكل ماكفول، لدرجة أنه سافر ليحل مشاكل عائلية أثناء أكبر أزمة تشهدها العلاقات الروسية – الأمريكية منذ الحرب الباردة.
لكن الأزمة السورية أظهرت للأمريكان ضرورة أن يضعوا روسيا في الاعتبار، فأعربوا عن غضبهم من إقامة الألعاب الأوليمبية الشتوية في شوتشي الروسية وهددوا بمقاطعتها، ولذلك أعتقد أن عملية الإطاحة بالرئيس الأوكراني يانوكوفيتش تم الإعداد لها أثناء الأولمبياد الشتوي 2014، بنفس السيناريو الذي نشبت فيه الحرب الجورجية الروسية إبان أولمبياد عام 2008 في بكين، عندما هاجم الرئيس الجورجي أوسيتيا الجنوبية، وهو ما يدل على فقر الوسائل الأمريكية وانعدام الإبداع في وسائل القيادة الأمريكية الحالية.
ولا تريد الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي -وبالتالي الناتو- الانجرار إلى «يوغسلافيا» جديدة، كما لا ترغب روسيا في الذهاب إلى أفغانستان أو فيتنام جديدة، رغم أن بعض قدامى المحاربين الأمريكان في فيتنام مثل جون ماكين يرحبون بذلك.
ثم يأتي هجوم بعض المتطرفين على السفارة الروسية في كييف، وإعلان وزير الخارجية الأوكرانية عن احتمال قطع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا، وطلب كييف من الغرب فرض عقوبات تشل الاقتصاد الروسي، ومغامرة إنشاء خط دفاعي على الحدود مع روسيا.
كل هذه الأمور تذكرنا بأسوأ أيام الاستفزاز أثناء الحرب الباردة، رغم تمسك روسيا بالحوار الدبلوماسي مع الغرب بخصوص أوكرانيا، لكني أستبعد تماما إمكانية الصدام بين روسيا والناتو على خلفية الأزمة الأوكرانية مهما كانت الأسباب.
واستيلاء تنظيم «الدولة الإسلامية» على مناطق شاسعة من العراق دليل واضح على ذلك، فرغم المخاوف من تحول العراق إلى دولة سنية تنتهج بلا شك الإسلام المتطرف، مما يشكل خطورة على الشرقين الأوسط والأدنى أكثر من طالبان، ولا يمكن أن يراهن أحد على دعم أمريكي، فالعراق يستطيع الاعتماد على طهران أفضل من الأمريكيين الذين تخلوا عن نوري المالكي، بعد أن كان جزءا من تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية في العراق ـ رغم علاقته الجيدة بإيران ودعمه لبشار الأسد، ويمكننا توقع أن يلقى بيوتر بوروسينكو، وارسيني ياتسينيوك، وتورتشينوف (القيادة الأوكرانية الحالية) نفس مصير نوري المالكي.
مؤامرات لإفشال المجرى الجنوبي
أوروبا، لأن هذا يعني ضخ موارد مالية في اقتصاد أوكرانيا على حساب موسكو بشكل غير مباشر، وفي نفس الوقت تظل أوكرانيا داخل فلك واشنطن وبروكسل سياسيًا وعسكريًا فقط، ورغم أن المجرى الشمالي الذي أُنشئ بصعوبة يعمل، ومن غير الممكن وقف ضخ الغاز من خلاله، فإن الأوروبيين والأمريكيين يدمرون مشروع المجرى الجنوبي بكل الوسائل الممكنة، وهو ما يقوي الموقف السياسي والاقتصادي لأسواق دول عبور الغاز مثل بلغاريا وصربيا وتركيا، وكذلك الدول المصدرة للغاز التي سيتعين عليها – حسب تخطيط القيادات الأوروبية والأمريكية- تنحية روسيا ولو جزئيًا من السوق الأوروبي، وعلى رأس هذه الدول أذربيجان وتركمانستان، ومن الممكن أن يؤتي ضغط الغرب على عليهما لتنفيذ مشروع خط أنابيب غاز بحر قزوين أو ما يعرف «بممر غاز قزوين الجنوبي» في شهري مايو ويونيو من العام الجاري، ثماره في المستقبل القريب.
كما أن مشروع توريد الغاز لأوروبا من كردستان وإيران، وتخطي روسيا مازال على جدول أعمال الأوروبيين على خلفية الحوار المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، في الوقت الذي لا تبدي طهران أي مرونة بشأن برنامجها النووي.
وبمعنى آخر، فإن الغرب على استعداد لأن يسلم بإيران نووية، كما سلم من قبل بنووية الهند وباكستان، مقابل دخول الموارد النفطية الإيرانية كعنصر في حرب الغرب الاقتصادية على روسيا، وهناك ضمان لأن توافق إيران على مثل هذا التقارب مع الغرب بنسبة مائة في المائة، فالمهمة الرئيسية للرئيس حسن روحاني هى تخفيف العقوبات الاقتصادية واستئناف تصدير النفط ومنتجاته، وفتح الطريق لتصدير الغاز الإيراني للأسواق العالمية.
لكن التوجه نحو تنويع مصادر الغاز لأوروبا يمكن أن يتم تطويره على الأكثر في المستقبل المتوسط، بخلاف «ممر غاز قزوين الجنوبي» الذي ستكون فيه أنقرة رابحة بصرف النظر عن تطور الأحداث، مما يرفع من شأن المجموعة الحاكمة في تركيا على الساحة الداخلية في البلاد.
وسيبقى دور تركيا كإحدى الدول الرئيسية لعبور النفط والغاز -بغض النظر عن مصدر النفط والغاز الواصل لأوروبا عبر أراضيها-، سواء كان الخام أو الغاز من إيران أو دول الخليج، أو من شمال العراق أو من دول بحر قزوين، أو حتى من روسيا في حال بناء خط الغاز الجنوبى، الذي لن يمتد عبر دول البلقان بل عبر تركيا التي لن يستطيع الموردون رفض خدماتها.
البديل الوحيد للخطط التركية هو تصدير الغاز إلى أوروبا مباشرة مع تخطي أوكرانيا بما في ذلك عبر شبه جزيرة القرم، وغاز بحر قزوين يمكن تصديره أيضا إلى الشرق، أي إلى الصين أو في اتجاه أفغانستان وباكستان والهند.
وبهذا الخصوص من الملفت للنظر في تتبع الأحداث حول الغاز التركمانستاني (حوالي 80 مليار متر مكعب سنويا)، يصدر منه 52% بشكل استثنائي للصين، و24% لروسيا، و22% لإيران، أن زيادة التصدير للصين هو الاحتمال الأرجح في المستقبل، خاصة بعد إنشاء فرع جديد لخط أنابيب الغاز «وسط آسيا -الصين» بطول 1830 كم وبطاقة استيعابية 25 مليار متر مكعب في العام (10 مليار من تركمانستان و10 مليار من أوزبكستان و5 مليار من كازاخستان) وقد بدأ إنشاء هذا الفرع في 2012، ودخل الفرع A والفرع B الخدمة في 2009 و2010 على الترتيب، وتصدر تركمانستان إلى الصين 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا.
بواعث سياسية لإعاقة المشروع القطري
لفترة طويلة كانت قطر تسيطر على عملية إنشاء خط أنابيب غاز تركمانستان- باكستان، على أن يمتد مستقبلًا إلى الهند، وكانت تضمن تأمينه أثناء مروره على أرض أفغانستان وتقوم بتمويله، في نفس الوقت تسعى أنقرة إلى عرقلة هذا المشروع لأنه في حال الانتهاء منه، ستخسر الغاز التركمانستانى الذي يجب أن يمر عبر أراضيها إلى أوروبا، ولهذا فهي تسعى عبر قواتها المشاركة في الناتو وشركاتها المشاركة في الإعمار بأفغانستان، ومن خلال الأفغان، والتركمان، والأوزبك، خلق نوع من التكتل التركي في أفغانستان لإعاقة المشروع، في نفس الوقت تسعى السعودية لإفشال المشروع القطري، انطلاقًا من بواعث سياسية أكثر منها اقتصادية.
وخلال العام الحالي هوجم حرس الحدود التركمانستانى من الأراضى الأفغانية دون أسباب واضحة من مناطق فارياب وباجديس (مناطق محتملة لمرور خط أنابيب الغاز التركماني لباكستان ثم الهند عبر أفغانستان)، وراح ضحية الاشتباكات عدد من أعضاء الجماعة السلفية التركمانية.
والمعروف من هذا النوع من الحوادث حادثتين فقط: الأولى ليلة 27 فبراير، حيث قامت مجموعة من مقاتلي حركة طالبان من قرية توب شيخ بمنطقة بيدجيس بقيادة عبد الله ملاوي، والثانية يوم 24 مايو عندما نفذت مجموعة بقيادة غلام ديستيجير توبان هجوما من أراضي منطقة فارياب، وتجاهلت الخارجية التركمانية الحادثة الأولى واعترفت بالثانية، وأرسلت مذكرة احتجاج إلى كابول.
التفسير الوحيد لما حدث، هو حث تركمانستان على رفض خط الأنابيب الذي سيمتد إلى باكستان ثم الهند عبر أفغانستان لصالح خط ممر غاز قزوين الجنوبي، ونلاحظ أن تنفيذ هذا المشروع سيؤثر بشكل سلبي للغاية على مواقف موسكو وطهران، اللتين تعترضان على إنشاء خط أنابيب تحت مياه بحر قزوين دون موافقة كل الدول المطلة عليه، كما سيزيد من توتر العلاقات بين رئيس أذربيجان إلهام علييف، ونظيره التركمانستاني قورباجولى بيرديمخمدوف المتوترة أصلًا.
إضافة لأسباب موضوعية للخلافات لم تحل حتى الآن، منها على سبيل المثال الخلاف بين أذربيجان وتركمنستان حول حقول كيابز في سيردار وتشراج في أوسمان وإيزيرى في هازار، هناك خلاف بين أذربيجان وإيران في الجزء الجنوبي من حوض بحر قزوين، حول تبعية تراكيب جيولوجية حاملة للنفط في مناطق مثل أزار وألوف وشرق.
وعلى مدى السنوات الماضية سعت تركمنستان لتخريب أي تعاون مع أذربيجان في إطار «ممر غاز قزوين الجنوبي»، لكن الوضع تغير تماما في خريف هذا العام تحت ضغط من تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتم الإعداد لاتفاقية إنشاء خط غاز قزوين التي تم بدأ إعدادها 2011، وفي نهاية 2013 تم تسليمها لحكومتي أذربيجان وتركمانستان.
وخط غاز قزوين هام جدًا للاتحاد الأوروبى وقد ساعد على الدفع به خوسيه مانويل باروسو رئيس المفوضية الأوروبية، ويمثل الولايات المتحدة في المشروع نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون جنوب ووسط آسيا، وستمتد البنية التحتية من جنوب تركمانستان حتى شاطئ بحر قزوين «خط الأنابيب شرق-غرب» وهو الخط الذي سيكون جاهزًا مع حلول عام 2016، وسوف تمتد الأنابيب من حقل جاليميش حتى محطة بيليك غرب البلاد، وسيتخذ خط الأنابيب طريق تينجيز (كازاخستان) -تركمانباشي (تركمانستان) -باكو (أذربيجان) -تبليسي (جورجيا) -إرضروم (تركيا)، ومن المفترض أن ينقل الخط ما بين 20 -30 مليار متر مكعب من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي.
الصين وغاز تركمنستان
خط أنابيب الغاز باكو -تبليسي – إرضروم يعمل بالفعل، وتكمن خصوصية الوقت الراهن في اقناع تركمانستان بعدم تصدير الغاز إلى الصين لصالح التصدير غربًا، وتؤكد القيادة التركية أن الصين لم تعد في حاجة إلى غاز من تركمنستان بعد توقيع اتفاقية طويلة الأمد مع روسيا، لكن الخبراء يعتقدون أن هذا غير صحيح، فالمنافسة ستنحصر فقط في الأسعار التي ستقدم بها كل دولة الغاز.
ومن المتوقع أن يكون استهلاك الصين من الغاز مع حلول عام 2020 حوالي 200 مليار متر مكعب سنويا، في حين أن إنتاجها السنوي لا يزيد عن 120 مليار متر مكعب، أي أنها ستستورد حوالي 80 مليار متر مكعب في العام، نتيجة لهذا سوف تشتعل المنافسة ليس بين روسيا ومنتجي الغاز في وسط آسيا على سوق الغاز الصين، ولكن مع منتجي الغاز المسال الذي كانت تستورده الصين من دول أخرى مثل أستراليا وإندونيسيا وقطر.
وعلى أية حال أنشيء خط غاز قزوين الجنوبي بهدف وضع العراقيل بل ونسف فكرة بناء خط المجرى الجنوبي وليس لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، بل تدخل في إطار السياسة، وقد ظهر مشروع نقل غاز قزوين لأوروبا قبل الأزمة الأوكرانية بما يؤكد أنه غير مرتبط بها بأي حال من الأحوال، ويعكس المشروع حقيقة علاقة التعاون مع روسيا من جانب الغرب وهي العلاقة التي يستخدمها الغرب حسب ضرورياته، بينما لا يدخر وسعًا لإضعاف موقف روسيا والصين على الساحة الدولية.
د.نبيل رشوان

