في أولى ندوات “مؤتمر الرواية” المعنون بـ “ملتقى القاهرة الدولي السادس للإبداع الروائي” المقام حاليا في دار الأوبرا بالقاهرة، والمخصصة لشهادات الروائيين، أدهشني سوء الإعداد، حتى أن ثلاثة على الأقل من بين ستة روائيين لم يكن واضحا لديهم مفهوم “شهادة روائي”، والطريف أن مدير الندوة نفسه الكاتب فؤاد قنديل أشار إلى ذلك في تعقيبه على شهادتهم، ليثبت أنه لم يطلع على الشهادات من قبل، ولم يوضح لهم قبل استضافتهم المفهوم العام لشهادة روائي عن مجمل أعماله، أو عن تأملاته في كتابة الرواية.. عن مشكلات واجهها، ولا تتوقف الطرافة عند هذا الحد، فإحدى “الشاهدات” لم تقدم في حياتها إلا رواية واحدة، وأحد “الشاهدين” لم يقدم سوى روايتين على مدى تاريخه الأدبي الطويل، ولا عيب في كونها أو كونه كذلك، لكن العيب أن يبدو “الشاهد” بلا تجربة يمكنه أن يقدمها للجمهور، وبلا فهم واضح لطبيعة ما سيقدمه.. فراح كل منهم يسرد انطباعات متفرقة يملأ بها فراغ الوقت المخصص له، دون أن يملأ فراغ المكان بشيء ذي قيمة.. هانت معاناة المتابعة لانطباعات عابرة ولغة عاطفية وتعبيرات إنشائية انتظارا لسماع الروائي “عبده جبير” “عمدة الجلسة” بتعبير مديرها، وهو محق، فقد أدهش من كاد يغالبه النعاس بسياحة في تجارب روائيين كبار حول العالم، يتأملون تجربتهم في الكتابة، ويحاولون تفسيرها، وبلغة بسيطة واضحة ربط “جبير” بينها، ونفذ من خلالها ليقدم رؤيته لدوافع الكتابة واللحظة المواتية للكتابة واللحظة الحرجة في العمل الفني، بل وفي حياة الإنسان.. لن ألخص ما قاله جبير، فقد أهداني وأهدى “جورنال مطروح” نصه المكتوب.. لتقرأه وتستمتع!.. أيمن شرف
في الكتابة.. متي تكون لحظة الإبداع؟
هل هناك قانون (ينطبق على الجميع من الشعراء وحتى كتاب السيناريوهات السينمائية، وطبعا الروائيين) يقول بأن لحظة الإلهام ستأتي في الموعد المعين أو تحت شروط بذاتها؟
هل يجب أن تكون هناك مسافة بين المبدع والحدث العام مهما كان وصفه ورسمه، حتى يستطيع إنشاء عمل له قيمة أدبية Literary value بالأحرى؟
متى تكون الكتابة عن الثورة –مثلا- ممكنة ومتى لا تكون؟
هل يمكن لكاتب -مثلا – يده في معمعة الثورة، أو آخر عقله في روحها يرفرف معها، هل يمكن لأي منهما أن يجلس ليبدع عملا عظيما؟ رواية بالأحرى، في التو واللحظة مهما كانت نواياه طيبة؟
هناك أسئلة عديدة نحب أن نسألها، خاصة إذا كنا نعمل بالإعلام، نحاول بها استثارة القارىء العادي للولوج معنا على ما نفترض أنه عالم سري غامض ومثير، ربما حتى نحقق أكبر قدر من الانتشار لموضوعاتنا، لكن هذه الأسئلة في الحقيقة ما هي إلا “فشار” للتسلية، ونحن نرى الفيلم الممل لعادل إمام الذي فرضته عليك زوجتك وابنتها البكر التي تشربت ذوقها السخيف وحتى تمر الليلة بسلام.
من تقصي تجارب الروائيين الكبار (المعلمين) يتضح لك بكل جلاء أنه: “ليس هناك قانون واحد يحكم عملية الإبداع”.
أحد الكبار “وليم فولكنر” (1) كان حين يحس بـ “الإلهام” يجري ليطلع إلى شجرة ضخمة في حديقة بيته – روان أوك Rowan Oak أكسفورد مسيسيبي – ليسجل المسودة الأولي، يروح “يشخبطها” بكل قوة حتى لا تهرب ثم يعود إلى غرفة مكتبه ويعيد الكتابة على آلته الكاتبة.
أحيانا يأتيه الإلهام في الفجر والحديقة في الخارج مجمدة من البرد، فيقف أمام الجدار ويسجل عليه المخطط الأول (كما نرى في –شخبطات- مخطط رواية “الصخب والعنف” على جدار غرفة نومه)، ثم يجلس إلى آلته الكاتبة، ويبدأ في العمل.
كل عمل له ظروفه الخاصة، فلا يمكن مقارنة عمل روائي كبير بكتابة قصة قصيرة من صفحتين، فالرواية عمل شاق قد يستغرق إنجازه عشرة أعوام (“يوليسيس” جيمس جويس) أو عدة أيام.
رواية ترومان كابوتي (٢) البديعة “قيثارة العشب” كتبها في عدة أيام، بينما استغرقت كتابة رواية “بدم بارد” خمس سنوات، وهي عمل يستحق أن نقف أمامه، لم؟ لأنها تطرح السؤال: هل يمكن أن تتحول حادثة (جريمة) إلي عمل روائي له قيمة أدبية؟
الحقيقة أن هذا ما جرى بالنسبة لهذه الرواية.. بالصدفة يقرأ كابوتي في صحيفته اليومية “النيويورك تايمز” صبيحة يوم السادس عشر من نوفمبر عام 1959 خبرا عن جريمة، (قلت أنها جرت في اليوم السابق) لأسرة مكونة من أربعة أشخاص، هم هربرت كلاتر وزوجته بوني وطفليهما ناسي وكينيون يعيشون في سلام في مزرعة نائية في منطقة هولكومب في ولاية تكساس، تثيره القضية إلى درجة أنه يتصل بمدير تحرير مجلة النيويورك ويتفق معه على كتابة قصة الجريمة للمجلة مقابل قيامها بتغطية مصاريفه، وهكذا بدأ كابوتي رحلة تحقيق مضنية استمرت خمس سنوات، تمكن خلالها من مقابلة أطرافها بمن فيهم المجرمين اللذين تم القبض عليهما وأودعا السجن، لكن كابوتي استطاع الحديث معهما بتسهيلات من رجل شرطة مرتش.
كان المجرمان بيري سميث وديك هيكوك – قد التقيا في السجن في قضية أخرى يعرفان ظروف حياة الضحايا في ضيعتهم المتطرفة، «فأقدما على قتل أفراد الأسرة جميعا، بمن فيهم الطفلين بدم بارد، على أساس أن أحدا لن يراهما في هذه المنطقة النائية، لكن أحد السجناء من زملائهما كان قد سمعهما يتحدثان عن العملية، وتقضي الأقدار بأن يتم القبض عليه في قضية أخرى ويعترف بهذا الكلام، الأمر الذي شكل خيطا للقبض عليهما، ولكن تعقيدات القضية تمتد فترة تزيد عن خمس سنوات، كان كابوتي خلالها يجري تحقيقاته، ولم يستطع نشر أي شيء حتى انتهت القضية وحكم على المجرمين بالإعدام.
كتب كاروتي هذا العمل بأسلوب ساحر أخاذ جعل القراء يقبلون علي قراءته في المجلة أولا ثم عند نشره في كتاب، وبعد ذلك تحولت الرواية إلي فيلم رآه الملايين، وعلي الرغم من أنه كان قد كتب قبله روايتين ساحرتين هما “أصوات أخرى” و”غرف أخرى” و”قيثارة العشب”، إلا أن “بدم بارد” هي التي حققت له الشهرة الفائقة.
هذه إذن حالة أخرى من حالات الكتابة الإبداعية التي جرت وكأنها تحقيق صحفي.
هنا نؤكد ثانية أنه ليس هناك قانون واحد يحكم عملية الإبداع.
كما أنه ليس هناك تصور واحد لحياة الكاتب أثناء قيامه بعمله.
تقول المبدعة الكبيرة “مارجريت دورا” إن “الكتابة تذهب إلى عوالم بعيدة، هي أحيانا فعل لا يطاق، كل شيء يأخذ فجأة معنى آخر، الذين تعرفهم يصبحون غرباء، والغرباء نظن أننا كنا في انتظارهم، يرجع ذلك ربما لمجرد أنني سئمت -أكثر من الآخرين- هذه الحياة، كانت حالة من العذاب دون ألم، لماذا أبحث عن الهروب من الناس، خاصة الذين يعرفونني، لم يكن الأمر محزنا فحسب، كان يبعث على اليأس، كنت قد شرعت في القيام بأكثر أمور حياتي صعوبة: الكتابة عن عشيقي في لاهور، أكتب قصة حياته، أخذ مني كتاب “نائب القنصل” ثلاث سنوات، كتبته دون أن أخبر أحدا عنه، لأن تدخل أي رأي “موضوعي” كان سينسف الكتاب، ما يحملنا: هي تلك الأفكار الوهمية التي تأخذنا ساعة الكتابة، والتي تقول لنا إنه لا أحد غيرنا يمكن أن يكتب ما كتبناه، وعندما قرأت ما قال النقاد عن كتابي، حين قالوا إنه لا يشبه شيئا آخر، عندها أحسست أنهم يتفقون مع عزلة الكاتب”.
أما رفيقتها المبدعة الكبيرة الأخرى “فرجينيا وولف” (٤) فهي ترى أن المرأة الكاتبة بالذات تحتاح إلى غرفة تخصها وحدها، بما يعنيه ذلك من استقلال كامل عن الرجل كي تستطيع الإبداع، وربما هي تؤكد -كمدافعة عن حق المرأة في الاستقلال- أن هذا الاستقلال هو الذي يجعلها تشعر بحريتها أثناء عملها، وهي دون ذلك لن تستطيع الكتابة.
لكن لنستمع إليها وهي تتحدث عن مسألتنا، أو شيئا قريبا منها، ما هي الرواية؟
تقول “لو أننا أغمضنا أعيننا وفكرنا في الرواية ككل، لبدا لنا أنها كيان أشبه بالمرآة التي تعكس الحياة، وإن كانت مرآة تموج بالتبسيط والانبعاجات والتشوهات، في أي الحالات، هي بنية تترك شكلا ما عن الخيال والذاكرة، تارة علي هيئة مكعبات، وتارة علي هينة معبد بوذي، وتارة يكون لها ممرات مسقوفة وأجنحة ممتدة.. إن ذلك الشكل، قلت لنفسي وأنا أستعيد بعض الروايات الشهيرة، يشعر المرء بالعاطفة الملائمة، لكن تلك العاطفة سرعان ما تمتزج بعواطف أخرى، وذلك لأن الشكل لا يصنع من علاقة حجر بحجر، ولكن من علاقة إنسان بإنسان، ولهذا، فإن الروايات تخلق فينا أنواعا من شتى العواطف المتضاربة المتعارضة، فالحياة تتعارض مع شيء هو ليس الحياة”.
كولن ولسن (5) يرى رأيا مشابها، يقول إن “الإبداع ليس سرا مقدسا، وإنما هو أساسا موهبة حل المشكلات، حيث يضع الكاتب أمامه مشكلة ومن الضروري أن تكون تلك المشكلة أمرا يهمه هو شخصيا – ويحاول أن يحل تلك المشكلة على الورق.. غير أنه يتحتم من أجل التعبير عنها تعبيرا واضحا أن يجد الحلول لعدد من المشكلات الفنية البحتة.. من أين يبدأ، وماذا عليه أن يدرج، وماذا عليه أن يستبعد وهلم جرا.
“لقد قال شكسبير إن الفن يحمل مرآة تعكس الطبيعة، إلا أنه من الأدق القول إن الفن مرآة يرى فيها المرء وجهه هو.. ولكن لم يريد ذلك؟ لأن الرواية هي محاولة الكاتب إحداث صورة ذاتية واضحة”.
“فرانتس كافكا” (6) لم يكتب ما كتب من روائع بقصد النشر أصلا، لأنه كان قد استخلص لنفسه أفكارا كان الموت هو الذي يغشاها، فالحياة بالنسبة له مجرد مؤشر، يقول “المؤشر الأول إلى شروعنا في فهم الحياة، هو رغبتنا في الموت”، لذا فإنه “يمكننا استخلاص كتب لا تحصى من الحياة، بينما بالكاد يمكننا استخلاص نزر قليل من الحياة من الكتب؟ ماذا على الكاتب أن يفعل إذن؟، يقول “إلزم كرسيك وأصغ، كلا، لا تصغ، انتظر فحسب، كلا، لا تنتظر، يكفي أن تكون صامتا ووحيدا، إذ سيجيء العالم ليرتمي عند قدميك ويرجوك أن تخلع له أقنعته، لا يسعه أن يفعل غير ذلك، سوف يلتوي منتشيا أمامك.. فالكفاح يملؤني سعادة تفوق قدرتي على فعل أي شىء، ويبدو لي أنني لن أسقط في النهاية تحت وطأة الكفاح، بل تحت وطأة الفرح”.
لقد استغرقت كتابة “الحرب والسلام” للمعلم الأكبر ليو تولستوي (7) خمسة أعوام من العمل الشاق والحب الغامر من صوفيا، زوجته، التي كانت حبيبته حتى هذه الأيام، وكانت تأخذه إلى حضنها الدافىء، بمجرد أن ينتهي من حصة الكتابة اليومية.
قبل بداية الحصة كان يخرج ويتمشى في غابة “ياسنايا بوليانا” حتى يحس بتعب المشي، ثم يدخل لغرفة الكتابة، ويبدأ فيما كان يسميه ( كأسطى محترف) الشغل، ينتهي من الفصل أو الفصول، وقبل أن يغادر يسجل ملاحظات تدله على ما سيأتي في اليوم التالي.
كانت تجربته في الحرب قد انتهت منذ سنوات، ومثل همنجواي كان لابد له من دفن هذه التجربة المريرة بالكتابة عنها.
أرنست هيمنجواي (٨) هذا، كان يكتب واقفا، نعم واقفا على ساقيه، مستعينا بدستتين من أقلام الرصاص المبرية على “سنجة عشرة”، ولكنه حين يصل لرحلة التنقيح يجلس منحنيا ليعيد ويزيد حتى ينتهي من العمل، وحين سأله كاتب شاب عن النصيحة التي يبديها له ليستطيع الكتابة، قال لا فض فوه: “حلك الوحيد أن تذهب لتسرع بالانتحار”.
وقد انتحر همنجواي نفسه ربما لأنه تيقن أنه لن يستطيع الكتابة أبدا بعد الآن، أو أنه لن يستطيع الكتابة بالمستوى الراقي الذي كان يكتب به طوال حياته، فلم تستحق الحياة أن يعيشها سيد القلم والقلم أضحى يرتعش بين أصابعه.
همنجواى هذا هو المثل الأهم في مسألتنا، مسألة الكتابة عن الحدث الساخن، واللحظة المواتية لكتابته، ولكن همنجواي جرب الكتابة عن الحدث الساخن عدة مرات:
– كتب روايته الجميلة “والشمس تشرق أيضا” وخلفيتها أجواء الحرب الأهلية الأسبانية، التي كان قد خبرها منذ سنوات مضت، لكن دون أن تكون أحداثها ماثلة في الرواية، يقول “كالروس بيكر” في كتابه عنه:
“كان قد جاهد جهادا طويلا مركزا ليمنح قصته الأولي المبنى الصلب والنضارة في النسيج، وقد قال في حديثه عنها: (بدأت قصة “والشمس تشرق أيضا” في اليوم الحادي والعشرين من يوليو -1925- وهو يوم عيد ميلادي السادس والعشرين، بمدينة بلنسية الأسبانية)، وظل يعمل في المسودة الأولى خلال الأيام العشرة الباقية من يوليو وأغسطس ببلنسية ومدريد وسنت سباستيان وهنداية، وأتمها بباريس في السادس من سبتمبر من نفس السنة”.
بعد أربع سنوات، أي في سبتمبر 1929 أثبت همنجواي أنه يستطيع تحقيق هذه المقدرة مرة أخرى في قصته “وداعا للسلاح”، يقول بيكر “لا يتولد الكتاب من رأس مؤلفه ضرورة، لكن كل كتاب جهد يتولد من حوافز قوية، وإذا كان الكاتب في مثل مواهب همنجواي وتجاربه، صدر الكتاب عنه على نحو طبيعي سمح، وكذلك صدرت قصتاه، إذ أنهما لم يصدرا فحسب عن حافز فني خالق بل كانتا وسيلة لاستخراج خلاصة الفلسفة الأخلاقية التي مارسها سبع سنوات، وعلى هذا النحو أيضا كانت “وداعا للسلاح” التي تربطه بالحرب العظمى وتخلص منها بالكتابة عنها، وبوصف كل ما تشابك فيها من فكاهة ورعب، أي أن الكولونيل كانتون -أحد أبطالها- استطاع بعد ثلاثين سنة أن يدفنها في ميدان قتال إيطالي، ويدعها في لحدها إلى الأبد”.
هذا مثال واضح للكتابة عن الحدث الساخن، حيث يبقيه الكاتب ضمن فلسفته ورؤيته للعالم، لكنه ابتعد عنه مسافة كافية ليستطيع تكوين هذه الفلسفة التي استخرجها من ويلات الحرب، فلا بد من مسافة كافية ليتفاعل مع تداعيات الحدث.
مثال آخر من رواية عنوانها واضح ومباشر “الثورة”، كاتبها الروماني ليفيو ريبرينو (9) كانت في الستينات والسبعينات (مقررة علينا من الكبار) ومتداولة بكثرة بين المثقفين الشباب الثوريين، وترجمت في مشروع الألف كتاب.
يعد ريبرينو – حسب مترجمه محمد إبراهيم زكي- أحد الكتاب المهمين في رومانيا، عمل بالصحافة زمنا، وألف قصصا كثيرة كان لها وقع عند الجماهير، فلما كان عام 1916 انضمت رومانيا إلى الحلفاء ضد دول وسط أوروبا، فاضطر الرومانيون أن يخوضوا غمار حرب طاحنة ضد إخوة لهم على الجانب الآخر، وكان موقفا عصيبا، أوحى للكاتب برواية سماها (غابة العدم)، صور فيها الصراع الذي اعتمل في نفس أحد ضباط رومانيا فأفضى به إلى الفرار من الجيش.
وتأثر ريبرينو بالتغيرات الاجتماعية التي حدثت في المدة ما بين سنة 1920 – 1923، وشرع في تأليف رواية “الثورة” عام 1920، وأخذ يتجول في جميع أنحاء رومانيا، يتبادل الحديث مع الفلاحين، ويستمع إلى حكاياتهم عن الانتفاضة العنيفة التي شملت رومانيا عام 1907، والقلاقل التي سببها الفلاحون إذ ذاك، وبعد ذلك أتيح له أن يفرغ من الرواية – “الثورة” – عام 1933.
وهكذا نصل إلي لب الموضوع، ونتابع أمام أعيننا صورا متلاحقة تمثل الفقر والبؤس والضرائب التي تثقل كاهل الفلاحين، والتعذيب الذي يهري أبدانهم، ويدب الاستياء، وينفد الصبر، وتنطلق مشاعر الغضب من عقالها، ثم تندلع الثورة.. ونسمع تعليق أهل المدينة الآمنة اللاهية عليها، ونراها رأي العين في صورتها الرهيبة المروعة نيرانا تلتهب في جميع أنحاء الريف، لقد هب الفلاحون بعد طول رقاد يغزون أراضي الأشراف ويسوون حسابهم مع من أذلوهم وعذبوهم سنين طويلة.
ولكن – وهنا مربط الفرس – انتصار الفلاحين لا يدوم طويلا، فقد انطلقت الثورة بطريقة عفوية، وقامت دون خطة مرسومة، أو مبادىء موضوعة، فنرى في الصفحات الأخيرة من الرواية كيف دفعت الحكومة – حكومة ملاك الأراضي والأشراف - قوات الجيش لتصطدم مع الفلاحين الثوريين بدعوى استتباب النظام، فتقتل منهم أحد عشر ألف فلاح.
محركات الكتابة إذن لا تقبل التحديد، ولكل كاتب مزاجه، ولكل عمل ظروفه.
لكن اللحظة المواتية للكتابة عن حدث ما هي غير اللحظة الحرجة (10) في العمل الفني، فأنت قد تجد أن كل الأعمال الأدبية المرموقة تنبني على هذه اللحظة الحرجة في بؤرة يسميها النقاد الكلاسيكيون (لحظة التنوير).
تجدها في عمل كلاسيكي مثل “دون كيخوته” حين يأتيه الإلهام في أول “خرجة” خرجها من وطنه، ليبدأ رحلة مصارعة طواحين الهواء، كما تجدها في “الإخوة كارامازوف” حين يلح السؤال الكبير على رأس إيفان: “كيف يتفق مع وجود الله الرحيم القادر وجود الشر؟، كما تجدها في اللحظة التي يكتشف فيها كمال بطل ثلاثية نجيب محفوظ ما عليه السيد أحمد عبد الجواد من تناقض، كما أنك تجدها، تقريبا، في أي عمل أدبي آخر.
لكنك حين تتأمل في ذلك، فإنك تكتشف أن هذه “اللحظة الحرجة” ما هي إلا جوهر الوجود، لذا فإنها قد تشكل بؤرة كل الأعمال الأدبية والفنية، وحين تمد البصر أطول (أو أكثر) تكتشف أن الحياة نفسها ما هي إلا مجموعة لا متناهية من اللحظات الحرجة، البعض منها، ربما بسبب درجة قوته وتأثيره على الناس، نتوقف أمامه كـ “حدث فريد” أو “تاريخي”، لكن بعضها الآخر لا يتوقف الناس عنده على الرغم من تأثيره على حياتهم، ربما لأنه خال من القوة التي قد تصل أحيانا إلى درجة العنف.
وأظن أن جميعا نتفق الآن أننا نعيش هذه الأيام لحظة من أعنف لحظات تاريخنا، بل يمكنك أن تقول إنك لو دققت النظر للأمام أو الخلف لوجدت أننا في هذه المنطقة من العالم نعيش، ربما منذ مئات السنين لحظات حرجة متتالية لا تتوقف ولا تنتهي، حتى لتخال أنها منطقة اللحظات الحرجة بامتياز وبلا منازع.
لكن ونحن نعيش علي الأمل (فليس أمامنا سواه) نسأل؛ هل سينتج عن هذه اللحظة الحرجة الكبيرة جانب واحد إيجابي يكون في صالح الناس من المواطنين المغلوبين على أمرهم؟
أم أن هذا العنف الرهيب سينتهي بهم إلى ما هو أسوأ مما هم عليه الآن؟
هل سنستطيع الإبداع بحرية؟
هل ستكمم أفواهنا أكثر مما هي عليه؟
هل سنجد بسهولة الوسيلة لتوصيل أعمالنا للناس؟
أم ستضيق أرزاقنا أكثر حتى نأكل عشب الصحاري؟
هل ستختنق نفوسنا حتى نتمنى الموت من شدة هول الحياة؟
هل سنحس أننا إلى الحيوان أقرب مما نحن عليه كبشر؟
أم أن هذه الصفحة الدامية ستنطوي، وتحل محلها صفحة بيضاء ناصعة نسترد فيها أنفاسنا، ونستعيد آدميتنا، ونتمكن من العيش في سلام، نمارس حياتنا بشكل طبيعي، لا أكثر ولا أقل، نعيش كمواطنين، نستطيع الكلام والسكوت، العمل والراحة، الحلم والكسل، وأحيانا نغني للحياة من القلب؟
ربما .. من يعرف؟

المنصة من اليمين، اللبناني عباس بيضون، والمغربية ربيعة ريحان، وصفاء عبد المنعم، ومحمد سلماوي، وفؤاد قنديل، وعبده جبير، و العراقي محسن الرملي
الهوامش:
1- المعلومات عن “فولكنر” من عدة مصادر، منها “وليم فوكنر بقلم أرفينح هاو”، ترجمة سعد عبد العزيز.
2- المعلومات عن “ترومان كابوتي” مأخوذة من دفتر ملاحظات كاتب المقال، وهي منقولة من عدة مصادر صحفية.
3- المقتطفات من كتاب دورا “الكتابة” ترجمة هدى حسين، ومن ترجمة أخرى للنص المعنون “عزلة الكاتب” من موقع محمد قصيبات.
4- فقرات “فرجينيا وولف” من كتاب “غرفة تخص المرء وحده” ترجمة سمية رمضان.
5- “كولن ولسون” من كتاب “فن الرواية”، ترجمة محمد درويش.
6- أقوال “فرانتس كافكا” من موقع “ملتقى الحكايا” الأدبي، نقلها عبد الواحد جنيدو.
7- معلومات “تولستوي” من محفوظات كاتب المقال ودفتر ملاحظلاته.
8- معلومات “هيمنجواي” من كتاب “كارلوس بيكر” عنه، ترجمة إحسان عباس، وكتاب “بابا هيمنجواي، أ. هوتشنر، ترجمة دار الآداب.
9- معلومات “ريبرينو” من مقدمة المترجم المذكور.
10- فقرة “اللحظة الحرجة” من شهادة لكاتب المقال، نشرت ضمن ملف عن الموضوع، مجلة أوغاريت، باريس، 2007.
