“جورنال مطروح” ينفرد بنشر “أسرار هزيمة يونيو” كما سجلها مدير الكي.جي.بي السابق يفجيني بريماكوف

Former Russian Prime Minister Yevgeny Pr

أسرار تكشف لأول مرة عن حرب يونيو 67.. من كتاب “الكواليس السرية للشرق الأوسط”- تحت الطبع

الخبراء الروس نصحوا الطيارين المصريين بالطيران باستخدام غرف الاحتراق الإضافية وممرات قصيرة والتصدى للموجة الثانية من الطيران الإسرائيلي في الجو، لكن.. ولا طائرة مصرية طارت

  • قائد القوات الجوية أقنع الجميع منذ صباح 5 يونيو بمشاركة الأمريكيين والإنجليز في الغارات ونسب إلى الطيار حسنى مبارك أنه رأى طائرات أمريكية فوق مطار الأقصر لكن مبارك أكد للمشير عامر شخصياً أن الطائرات لم تكن أمريكية بل إسرائيلية
  • خروج الجماهير للشارع للمطالبة ببقاء ناصر في الحكم لم يكن مسرحية كما ادعى البعض
  • المظاهرات الشعبية كانت تلقائية حتى أن ناصر اتصل هاتفياً بوزير الإعلام وطلب منه وقف إذاعة البرقيات التي تدعوه للبقاء في السلطة
  • بين إعلان ناصر عن الاستقالة ثم التراجع عنها وقعت حادثة مهمة لعبت دورها
  • قبل يوم من خطاب التنحي بعث الاتحاد السوفيتي برسالة إلى ناصر لكنها لم تصله إلا بعد إعلانه الاستقالة لأنه لم يستقبل أي مسئول أجنبي على مدى ثلاثة أيام
  • السفير بوجيدايف أبلغ ناصر أن الاتحاد السوفييتي سيعوض مصر عن كل ما فقدته من سلاح دون مقابل بما في ذلك الطائرات والدبابات
  • عندما أبلغ السفير بوجيدايف ناصر بقرار الاتحاد السوفييتي تعويض مصر بجمبع خسائرها دون مقابل أغرورقت عيناه بالدموع

بقلم د.نبيل رشوان

nabil rashwan 2

ينفرد “جورنال مطروح” بنشر حلقات من أحد أهم فصول كتاب يفجيني بريماكوف “الكواليس السرية للشرق الأوسط” الذي سيصدر قريبا عن المجلس القومي للترجمة، حول خلفيات المشهد السياسي والعسكري قبيل وأثناء وبعد حرب يونيو 1967، بريماكوف تولى مناصب شديدة الأهمية في الاتحاد السوفيتي السابق وروسيا الاتحادية (من بينها مدير إدارة المخابرات الخارجية التابع لوكالة الاستخبارات السوفييتية المعروفة باسم الـ كيه. جي. بي، ومدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي 1992-1996، ثم وزيرا لخارجية روسيا حتى 1998، ورئيسا للوزراء حتى 1999، بعد أن كان قد بدأ حياته العملية مراسلا لجريدة البرافدا السوفيتية من 1962 إلى 1970 في الشرق الأوسط)، وبحكم خبرته العميقة ومعرفته بكواليس السياسة في المنطقة ككل يكشف بريماكوف في كتابه العديد من الأسرار للمرة الأولى… وإلى نص الحلقة الأولى.

لا تمثل حرب يونيو1967 نقطة تحول في تاريخ مصر وحدها، بل في العالم العربى بأسره.. لقد أدت الهزيمة في الحرب لاحتلال القدس الشرقية والضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة ومرتفعات الجولان وشبه جزيرة سيناء وتنامي عدد المستوطنات الإسرائيلية الدائم في هذه الأراضي، وبعدها تحول مركز الثقل في المطالب العربية لعملية التسوية مع إسرائيل إلى المطالبة بوقف الاستيطان وانسحاب القوات الإسرائيلية، ودفعت الحرب الفلسطينيين إلى واجهة الصراع الأمامية، وأدت أيضا إلى بداية انهيار “الاشتراكية العربية” في مصر، وفي النهاية أصابت العالم العربي كله بجرح نفسى عميق جداً.

الخسارة فى حرب 1948 كان لها ما يبررها فقد كانت مرتبطة بالفساد، وخيانة الأنظمة العربية المتعفنة المعتمدة على الدول الاستعمارية، أما هزيمة 1967 الساحقة خلال أيام فقد لحقت بالأنظمة القومية الموجودة في دول عربية مستقلة، بالإضافة إلى أن العرب خسروا الحرب وهم يمتلكون أسلحة سوفيتية من الدرجة الأولى، وكان هناك خبراء عسكريون سوفييت في الجيشين المصري والسوري.

cover

إنهيار ساحق ـ لماذا لم تتحقق استقالة ناصر

بعد أن بدأت إسرائيل العمليات العسكرية بعدة ساعات، اجتمعنا أنا وزملائي الصحفيين المصريين والأصدقاء في مقر مراسل صحيفة “البرافدا” بالقاهرة، كان بيننا محمد عودة وفيليب جلاب وآخرون، رووا لي باندهاش عن عشرات الطائرات الإسرائيلية التي أسقطت ــ فقد كانت إذاعة القاهرة تتحدث عن أرقام مذهلة كل نصف ساعة، ولو جمعناها معا يمكننا أن نتخيل أن إسرائيل فقدت في أول ساعات العمليات العسكرية كل قواتها الجوية تقريباً- وأثناء لقائي مع أصدقائي المصريين علمت في نفس الوقت من خبرائنا بتدمير جميع الطائرات المصرية في قاعدة غرب القاهرة، ففي أول غارة إسرائيلية تم إحداث أضرار بممرات الطيران، ونصح خبراؤنا الطيارين بإلحاح بالطيران عن طريق استخدام غرفة الاحتراق الإضافية في محركات الطائرات مع استخدام ممرات قصيرة، والتصدى للموجة الثانية من الطيران الإسرائيلي في الجو، لكن.. ولا طائرة مصرية طارت، فعادت الطائرات الإسرائيلية بعد أن تزودت بالقود وبالرشاشات لتقصف الطائرات المصرية على الأرض، وأحبطت هذه المعلومات زملائي المصريين وأصابتهم بالاكتئاب.

بعد يومين، وبعد أن عرفت أخبار الهزيمة بشكل واسع، انتشرت في القاهرة شائعات عن أن سبب الهزيمة الجوية هو أن طيارين أمريكيين كانوا يقودون الطائرات التي كانت تحمل علامات إسرائيلية، وفى الساعة الرابعة وعشرين دقيقة فى نشرة الأخبار ونقلاً عن القيادة العامة للقوات المسلحة أعلن عن “وجود أدلة لا تقبل الشك عن مشاركة الولايات المتحدة وإنجلترا في الغارات على مصر”، وكان كثيرون يؤكدون أن مصدر هذه المعلومة هو قائد القوات الجوية محمد صدقي محمود، وتبين أنه أقنع الجميع منذ صباح 5 يونيو أن “شمولية وتأثير طيران العدو” تشير إلى مشاركة الأمريكيين والإنجليز في الغارات على المطارات المصرية، وقال صدقي محمود إن أحد الطيارين المصريين، حسنى مبارك، رأى طائرات أمريكية تغير على مطار الأقصر، وتحدث المشير عامر شخصياً مع مبارك الذي أكد أن الطائرات لم تكن أمريكية، بل إسرائيلية، هذا كان نفس حسني مبارك الذي أصبح فيما بعد رئيساً لمصر.

لكن الشعب لم يعرف شيئاً عن هذا، وكان الجميع يستمع للإذاعة، وفي أول أيام الحرب ترددت في كل مكان عبارة ــ “أين الروس؟ الذين يعتبرون أنفسهم أصدقاءنا؟ ولماذا لا يتصدون للطيارين الأمريكيين؟”.

لن أصف كيف دارت العمليات العسكرية التي انتهت بهزيمة ساحقة للجيوش المصرية والسورية والاردنية، فقد كتب كثير من الخبراء العسكريين عن هذا الجانب، وتعكس كلمات عبد اللطيف البغدادى نائب رئيس الجمهورية السابق حجم الإحباط الذي أصاب المجتمع المصري بسبب نتائج هذه الحرب، يقول “لقد شعرنا كأننا فى حلم، أي مهزلة فظيعة هذه، هل معقول أن يُدمر كل سلاح الطيران في يوم واحد، وتتحطم قواتنا البرية في اليوم التالي؟ هل معقول هذه القوة، التى لم نستطع الوقوف أمامها أكثر من ستة وثلاثين ساعة ؟”.

اعتبر ناصر نفسه مسئولاً عن حجم الهزيمة، واعتبر نفسه المذنب فيما حدث، وألقى خطاباً عبر التليفزيون أعلن فيه عن استقالته، فيما بعد كتب المسئولون والكتاب الصحفيون المصريون عن رؤيتهم لما حدث، كثيرون منهم كانوا يعتقد أن خطاب ناصر يوم 8 يونيو وخروج الجماهير للشارع لكي يبقى ناصر في الحكم هو مجرد عرض مسرحي، أنا لا أصدق هذه الرواية.

nasser

لا أعتقد أن الاتحاد الاشتراكي العربي الذي ينسبون إليه تنظيم هذه المظاهرات لتأييد ناصر كان يمتلك القوة لكي ينظم مظاهرات جماهيرية مليونية لشعب مكتئب وغير ساعي لأي مظاهر شعبية بسبب الهزيمة في ساعات معدودة، المظاهرات الشعبية كانت تلقائية، لدرجة أن ناصر اتصل هاتفياً بوزير الإعلام فايق وطلب منه وقف إذاعة البرقيات التي ترد لتدعوه إلى البقاء في السلطة عن طريق التليفزيون.

كان ناصر بالفعل مكتئبا، وأنا واثق من أنه بالفعل قرر أن يستقيل، وعين زكريا محى الدين خليفة له، وأن هتاف الجماهير فقط ومطالبتهم له بالبقاء زعيماً لمصر هو الذي أجبره على الإعلان عن أنه لن يترك منصب الرئيس، لكن بين الإعلان عن الاستقالة ثم التراجع عنها مر بعض الوقت، قبل بداية ظهور كثيف لزكريا محي الدين على شاشات التليفزيون، وفي ذلك الوقت وقعت حادثة أخرى وهي على ما يبدو لعبت دورها.

قبل يوم من خطاب التنحي لناصر وصلت برقية مشفرة للسفير الروسي د. ب. بوجيدايف من موسكو تأمره بإبلاغ ناصر، أن الاتحاد السوفييتى سيقوم بتعويض مصر عن كل ما فقدته من سلاح دون مقابل، بما في ذلك الطائرات والدبابات، ولم يتمكن بوجيدايف من إخطار ناصر بذلك قبل إعلانه عن التنحي، حيث لم يستقبل ناصر أي إنسان على مدى ثلاثة أيام، وكانت الأوامر للسفير بإبلاغ قرار الاتحاد السوفييتي لرئيس مصر شخصياً فقط، فتقدمت أنا ورفيقي فاديم ميخايلوفيتش سينيلنيكوف مستشار السفارة المختص بالاتصالات مع الاتحاد الاشتراكي العربي، إلى السفير بوجيدايف باقتراح هو أن يخطر ناصر بأنه في حالة بقائه في منصبه فإن الاتحاد السوفييتي سيقوم بتعويض مصر عن كل الأسلحة التي فقدتها، وعندما أبلغ السفير ناصر بذلك أغرورقت عيناه بالدموع، وفقا لشهادة السفير.

من الصعب التأكيد على أن هذا الأمر بالتحديد هو الذي دفع ناصر للتراجع عن الاستقالة، إلا أن هذا لم يكن من الممكن ألا يكون له تأثير، لكن رد فعل ناصر أثناء المقابلة مع بوجيدايف كان يشير إلى ذلك بالتأكيد.

فيما بعد روى رئيس قسم اللجنة المركزية ل. م. زمياتين، الذي كان حاضرا في اجتماع طارئ لدول حلف وارسو عقد فى موسكو، كيف تسلم ليونيد بريجنيف البرقية الشفرية من السفير السوفييتي في القاهرة أثناء الاجتماع، والتي قال فيها إنه قرر أن تجمع الرسالة بين نداء من القادة السوفييت لناصر بالبقاء في موقعه مع وعد من الاتحاد السوفييتى بتوريد كل ما فقده في حرب الأيام الستة من أسلحة، وأن ناصر “طلب من السفير أن يبلغ القادة السوفييت شكره الجزيل”، كما جاء فى نص البرقية المشفرة التي قرأها بريجنيف أثناء الاجتماع بصوت عال.

من هو يفجيني بريماكوف؟

تولى بريماكوف في عام 1991 منصب رئيس إدارة المخابرات الخارجية التابع لوكالة الاستخبارات السوفييتية الـ “كيه. جي. بي”، وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي في ديسمبر من العام نفسه، أصبح رئيسًا لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسي حتى عام 1996، وشغل منصب وزير الشؤون الخارجية في الفترة من 1996 إلى 1998، ثم أصبح رئيس للوزراء في روسيا في الفترة من 1998 إلى 1999.

putin primakov

بدأ بريماكوف حياته العملية مراسلا لصحيفة البراڤدا لشئون الشرق الأوسط من 1962 حتى 1970، وكانت القاهرة مقرا إقامته الدائمة، وفي تلك الفترة زار بريماكوف شمال العراق أكثر من مرة وكلفته اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي بتنفيذ مهام خاصة، وإلى اليوم ما زال بريماكوف يقوم بمهام حكومية وبعثات سياسية هامة خارج روسيا، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث يعرفه جيدا كثير من الرؤساء والملوك ورؤساء الحكومات في الدول العربية، ويعود إليه الفضل في قضية التسوية في الشرق الأوسط، وقد بذل جهودا مؤثرة لتسوية الوضع حول العراق في بداية التسعينات، وفي الفترة التي سبقت الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

د.نبيل رشوان – المترجم والباحث المتخصص في الشئون الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *