“جهاد عوده يكتب عن “معالم التهديد الليبي للدولة المصرية

gehad ouda 2

جاء ذبح 21  مصريا على يد ما يسمى “تنظيم الدولة الإسلامية” ليفاقم أزمة العلاقات المصرية الليبية، وينقل الصراع المصري الليبيي إلى مستوى أكثر تعقيدا وتداخلا سياسيا واجتماعيا بين قوى المجتمعين. وهذا التقرير ينقسم إلى قسمين قبل الذبح وبعده.

قبل الذبح:

يتمثل التهديد الذي يمثله الوضع في ليبيا بعد نجاح ثورتها وإطاحتها بنظام “القذافي” على الحدود المصرية، وذلك من خلال النقاط التالية:

  • أدى نجاح الانتفاضة الليبية في إسقاط النظام الليبي، إلى سقوط الجانب الليبي من الحدود مع مصر في يد المتمردين الذين يريدون إنهاء حكمه، وسعت مصر خلالها لتأمين حدودها، حيث أكد المسئولون على أن “الهدف الأول والهم الأول للجيش هو حماية حدود مصر، والحدود مع ليبيا هي الموضوع الأهم والأكثر حيوية بالنسبة للجيش”، لذا قامت القوات المسلحة المصرية بتعزيز تواجدها العسكري في حدودها مع ليبيا لمنع المرتزقة والعصابات والإرهابيين من الدخول لمصر.
  • فتح الانفلات الأمني الذي عانت منه الدولتان بعد ثورتي ‏25 يناير (في مصر) و‏17 فبراير ‏(‏في ليبيا‏)‏ الباب أمام شبكات تهريب وبيع السلاح في مصر، ‏حيث مارست العديد من الشبكات أنشطتها في عمليات تهريب السلاح إلى البلاد ثم تهريبها إلى سيناء، فقد أشارت صحيفة “واشنطن بوست” إلى وجود الكثير من مخابئ الأسلحة المنتشرة حاليا في شبه جزيرة سيناء قادمة من ليبيا، مستغلة فترة الانفلات الأمني التي تعيشها مصر منذ ثورة يناير، وتأخذ طريقها إلى قطاع غزة عبر الأنفاق، وتشمل تلك الأسلحة صواريخ ومدافع مضادة للطائرات، فقد تم اعتراض عدة شحنات مؤخرا على الطريق الصحراوي من ليبيا إلى مدينة الإسكندرية في الشمال نحو غزة، وهو ما يثير المخاوف بشأن الأمن في منطقة حساسة على الحدود مع قطاع غزة وإسرائيل، في وقت تجتاح المنطقة الاضطرابات، ويمكن لهذه الأسلحة أن تضاف إليها صواريخ مضادة للطائرات وتطلق من على الكتف لتضاف إلى ترسانات المقاتلين الفلسطينيين في قطاع غزة، وهو ما يمثل تهديدا كبيرا لسلاح الجو الإسرائيلي وخاصة طائرات الهليكوبتر والطائرات الثابتة التي تقوم بدوريات متكررة في قطاع غزة، وهو ما أثار المخاوف الإسرائيلية والأمريكية، واللذين دعيا مصر لبذل المزيد من الجهد لحماية المنطقة الحساسة على الحدود مع قطاع غزة وإسرائيل.
  • أن الحدود المصرية الليبية عبارة عن شريط حدودي بطول 1049 كيلو مترا، الأمر الذي يجعل كل تلك المساحة الشاسعة مهددة بعمليات اختراق وتهريب، وبخاصة السلاح للأراضي المصرية، في ظل عدم وجود قوات لحرس الحدود الليبية، بالإضافة إلى الانتشار المكثف لتجار السلاح الذين يريدون استغلال التوتر الموجود على الحدود، الأمر الذي يزيد من المخاطر والتهديدات التي تؤثر علي مصر في الجانب السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري.
  • ضخامة الحدود بين البلدين التي تبدأ من البحر الأبيض وتنتهي مع الحدود السودانية ووعورة بعض المناطق، وعدم وجود عناصر من حرس الحدود الليبية المدربة للسيطرة علي الوضع، بالإضافة إلى صعوبة السيطرة المصرية علي هذه المساحة بمفردها زاد من سوء الوضع، وخاصة وأن الصراع الذي قد يحدث داخل ليبيا يعتبر من أهم التهديدات التي تواجه الأمن القومي المصري.
  • أثار إعلان زعماء ليبيين بجعل منطقة “برقة” شرقي ليبيا (الواقع على الحدود الغربية مع مصر) إقليما اتحاديا فيدراليا، يتمتع بحكم ذاتي واعتمادهم دستور الاستقلال الصادر في 1951 عندما كانت ليبيا مملكة اتحادية تتألف من ثلاث ولايات هي طرابلس وبرقة وفزان ويتمتع كل منها بالحكم الذاتي، المخاوف المصرية من أن ثمة قابلية لظهور سيناريو” الكيانات المستقلة”على خط الحدود العربية – الإفريقية التي تعاني دولها من فجوات تنموية وسياسية واجتماعية بين الأقاليم، وهو ما اعتبره البعض بداية لعمليات تقسيم مماثلة في ليبيا، وقد أعلن رئيس المجلس الوطني الانتقالي رفضه لهذا الإعلان واعتبره محاولة لتفتيت الدولة، وهدد باستخدام القوة في حال إصرار شيوخ الإقليم على الانفصال عن ليبيا، مما قد يشعل التوتر على الحدود الغربية لمصر في ضوء الامتدادات القبلية والروابط العائلية بين القبائل المصرية والليبية في هذه المنطقة، وهو ما يمثل أخطر تهديد لأن القبائل في هذا الإقليم متداخلة مع مصر وتصل امتداداتها إلى محافظة الفيوم، وربما يؤدى ذلك مع ضعف السيطرة على الحدود إلى تصدير المشكلات والصراعات القبلية، فضلاً عن انتشار السلاح.
  • أي صراع داخلي مسلح في ليبيا له تأثيره المباشر علي الوضع في مصر نظرا لقرب إقليم برقة من الحدود المصرية مما سيجعل تلك المنطقة مسرحا للعمليات العسكرية، وقد تدفع شدة الحرب لدخول عناصر مسلحة إلى الأراضي المصرية من خلال الحدود، وهذه العناصر قد تبدأ في أنشطة غير قانونية، ومحاولة إنشاء جماعات مسلحة جديدة في مصر تؤثر علي الاستقرار والأمن الداخلي، بجانب أن الطمع في جني الأموال سيجعل كل من يمتلك السلاح يرغب في بيعه والاتجار فيه، وبخاصة في مصر، وما يحدث في الوقت الحالي من عمليات تهريب السلاح وبيعه وانتشاره بهذه الصورة يشير إلي أن مافيا السلاح تعمل علي زيادة الصراع من أجل رواج تجارتها، وقد وجدت من ليبيا منفذا هاماً لها ومنها إلى مصر التي تزداد عمليات التهريب إليها من ليبيا نظرا لحالة الفراغ الأمني علي الحدود من الجانب الليبي ومساحة الأرض الشاسعة، وهو ما يوضح حجم التهديد الحالي من الحدود الليبية.
  • اضطراب العمالة المصرية في ليبيا؛ وهو من أخطر التهديدات التي يمكن أن تواجه الدولة المصرية، حيث أنه في ظل استمرار التوتر والصراع في ليبيا ودخولها في صراع داخلي ستعود العمالة المصرية من هناك، وهو ما سيؤدي لزيادة عدد البطالة في مصر بشكل كبير، ويترتب عليها زيادة معدلات الجريمة، في ظل وجود حالة من الانفلات الأمني.
  • زيادة حالات تهريب السلاح عبر الحدود الليبية في ضوء أن تجارة السلاح مربحة، وتوافر السلاح بشكل كبير بعد أن تم فتح مخازن السلاح وتسليح المدنيين لمواجهة كتائب “القذافي”، وخاصة في ظل ضعف سيطرة حكومة الانتقال الليبية وعدم قدرتها على إعادة السلاح مرة أخري إلي المخازن، وهو ما حدا بكثير من الليبيين لبيع سلاحهم لتجار السلاح في مصر، وقد أكد خبراء الأمن أن سوق السلاح غير المرخص يعتمد على ثلاثة معابر في الحدود الليبية والسودانية والإسرائيلية، وأن هناك أكثر من 1400 نفق يربط بين قطاع غزة وسيناء لعبور الأسلحة المهربة، بالإضافة إلى تدفق آلاف من قطع السلاح في أعقاب الثورة الليبية عبر الحدود المصرية الليبية، وتستخدمه تشكيلات عصابية في تهديد المواطنين، في حين يرى الخبير بجهاز الأمن القومي المصري اللواء “جمال أبو ذكرى”، وجود ثلاثة مصادر يتم من خلالها تهريب الأسلحة إلى مصر، الأول عبر الحدود الليبية المصرية من خلال الساحل الشمالي، حيث تم تهريب كل أنواع الأسلحة من ليبيا وعلى الأخص المدافع “الجرينوف” والمدافع المضادة للطائرات، والتي تم ضبط البعض منها، والثاني عبر الحدود السودانية المصرية من جنوب السودان، ويتم من خلاله تهريب الأسلحة السودانية والإسرائيلية، وتم ضبط جزء من هذه الأسلحة، والثالث عن طريق أنفاق غزة.
  • هناك نقطة مهمة لا يجوز إغفالها أن إسرائيل كانت تعمل علي تسليح عناصر انفصالية عديدة في دول إفريقية، وهذا السلاح انتقل بدوره من خلال التجارة إلي ليبيا وقت الصراع، ثم إلى مصر من خلال عمليات التهريب عبر الحدود، وهو الأمر الذي يفسر وجود أسلحة إسرائيلية داخل البلاد من جهة الغرب، وتم ضبطها وبخاصة الرشاش (عوزي).
  • التدخل العسكري الدولي في ليبيا، حيث أن هذا التدخل تحت حجة حماية المدنيين من قصف كتائب القذافي، حمل دلالة رئيسية تتمثل في أنه الاختبار الميداني الأول، سواء للناتو أو لـ”قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا” في منطقة عربية إفريقية، وهو ما يثير المخاوف من أن ذلك التدخل يمهد للتدخل في أي شأن إفريقي مستقبلا، لتحقيق المصالح الأوروبية والأمريكية في القارة، خاصة تلك المتعلقة بالنفط والغاز الإفريقي الممتد من ليبيا إلي تشاد، ثم الكاميرون ونيجيريا، أو احتواء التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، كما قد يعمق ذلك التدخل من خطر تقسيم ليبيا إلي ثلاث دويلات في الغرب والجنوب والشرق، لاسيما مع وجود رفض في بعض المناطق لهذا التدخل.
  • تمثل الثورة الليبية بيئة خصبة لتصاعد قوة التنظيمات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي أو في القرن الإفريقي، وهو ما يتضح في ضوء عدة مؤشرات أهمها فرار أعداد كبيرة من السلفيين الجهاديين من السجون الليبية، فضلا عن تسرب أسلحة من ليبيا باتجاه النيجر ثم شمال مالي، وهو ما يصب في تقوية الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل والصحراء.

بعد الذبح:

تحولت الأزمة الليبية المصرية من أزمة مرتبطة بفوضى الحدود والعلاقات إلى أزمة مرتبطة في المقام الأول بالقتل على الهوية الطائفية وعمليات إسقاط نظام الرئيس السيسى، هذا دون أن نغفل بعض المماراسات الطائفية الى قامت بها بعض القوى الليبية المنتمية للسلفية الجهادية الليبية قبل إعلان الانحياز لداعش.

الأزمة الجديدة تطرح على مصر عدة تحديات:

  • تحدي التماسك الوطني بحيث أن معظم وربما كل القتلى من الإخوة المسيحيين.
  • تحدي القتال على عدة جبهات، حيث لا يجب أن ننسى جبهة سيناء والآن الجبهة الغربية
  • تحدي محاولات إسقاط قيادة الرئيس السيسي.
  • تحدي التخريب الموجه نحو المنشآت العامة والخاصة بهدف نشر حالة من عدم الاستقرار والأمان العام بين الأفراد.
  • تحدي انتشار خطف الصيادين المصريين.

 مصر ليس لها إلا أن تصنع استراتيجية يمكن أن تطلق عليها ممارسة العنف المضاد وفقا لتصعيد عنف الأزمة، الأمر الذي يتطلب من مصر خلق قوات مرنة مجهزة غير مرتبطة بالهياكل الرسمية للدوله قادرة على التعامل مع الحروب والصراعات منخفضة الحدة.

د.جهاد عوده – أستاذ العلاقات الدولية بجامعة حلوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *