د.نبيل رشوان يكتب لـ “جورنال مطروح”: ماذا يريد بوتين من مصر وماذا نريد من روسيا؟

صورة أرشيفية - من زيارة السيسي لروسيا

صورة أرشيفية – من زيارة السيسي لروسيا

  • من المتوقع أن تحقق زيارة بوتين لمصر نقلة نوعية جديدة فى العلاقات بين البلدين
  • روسيا تعانى من حصار ظالم من الغرب وفي أشد الحاجة للدعم السياسي لمصر
  • يجب الحديث عن مشروعات الطاقة الشمسية والنووية والتعدين التي تشمل مصانع تركيز الخامات
  • إذا أردنا استغلالا جيدا للثروة المعدنية يجب تطبيق نظام اتفاقيات البترول على اتفاقيات التعدين
  • يجب تفعيل نظام الصفقات المتكافئة للتغلب على هيمنة الدولار
  • ليست “صدفة” أن يستقبل الأمريكيون “نواب الإخوان” قبيل زيارة بوتين لمصر؟

تأتى زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين إلى مصر كأول زيارة على هذا المستوى منذ عشر سنوات، وتأتي أيضا في فترة حرجة تمر بها كل من روسيا ومصر، فالأولى تعاني من ضغوط هائلة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نتيجة لمواقف روسيا المستقلة وموقفها من الأزمة الأوكرانية، كما تعانى روسيا من تضاعف سعر الدولار في مواجهة الروبل، إلى جانب تأثير انخفاض أسعار البترول على الاقتصاد الروسي.

تأتي الزيارة رداً على زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لروسيا في العام الماضي، وعلى خلفية الصراع الدائر فى جنوب شرق أوكرانيا الذي تعانى بسببه روسيا من الحصار الغربي، والصراع فى منطقة الشرق الأوسط خاصرة روسيا الجنوبية، حيث يتصاعد النشاط الذي يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيمات إسلامية أخرى متطرفة، وانخراط بعض الشباب الروسي من منطقة الفولجا والقوقاز ومن وسط آسيا المتاخم والحليف لروسيا فى تلك التنظيمات، وهو ما يهدد الحدود الجنوبية من ناحية، ويثير القلاقل داخل روسيا نفسها من ناحية أخرى، والأهم أن هؤلاء المقاتلين – بعد عودتهم- قد يقومون بأعمال تخريبية في روسيا ودول وسط آسيا من خلال تهديد دول وسط آسيا المسلمة والحليفة لروسيا ومنطقة شمال القوقاز الروسية بشكل مباشر، وهو ما سيجعل روسيا تمد جسور التواصل مع دول الشرق الأوسط، وهو ما تقوم به بالفعل مع سوريا والعراق وإيران من خلال تلبية طلبات هذه الدول من السلاح، بينما تعتبر مصر بدورها الإقليمى الهام عنصرا هاما في أي مواجهة قادمة لروسيا مع إرهابيين قادمين من المنطقة، لكن العلاقة والتعاون مع مصر في هذا المجال -والتي يعتبرها الجانب الروسى هامة- لم تصل بعد للمستوى المطلوب، ولعل الأحداث الأخيرة في مصر ستجعل التعاون الروسي ـ المصري فى مجال مكافحة الإرهاب أقوى وأشد وكيف لا، وقد عانت روسيا من الإرهاب في أبشع صوره في تسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الحالى، واستطاعت القضاء على الإرهاب في الشيشان رغم صعوبة التضاريس الجغرافية، وإمداد المقاتلين بالسلاح من دول خارجية متاخمة مثل جورجيا، إلى جانب الدعم المعنوي من دول الاتحاد الأوروبي.

على الجانب المصري لا أدرى لماذا عدم الإقبال والتقوقع؟ بل وعدم الجرأة في تعميق العلاقات مع روسيا خاصة من الناحية التجارية أو من ناحية التسليح أو من ناحية الاستشارات العسكرية والفنية في مواجهة التنظيمات الإرهابية والاستفادة من الخبرة الروسية في تعقب الإرهابيين، بحيث لا يستطيعون الإفلات بجرائمهم، خاصة وأن الولايات المتحدة تدعم الرافد الرئيسي للإرهاب “الإخوان المسلمين”، وقد استقبلت وفداً ممن يسمون أنفسهم أعضاء البرلمان السابقين من الإخوان الإرهابيين، وهو ما يعد عملا عدائيا، فبينما يموت جنودنا على يد هؤلاء الإرهابيين وروافدهم، تستقبل الولايات المتحدة هؤلاء وتصافح أيديهم الملطخة بدماء الشعب المصري بكل فئانه، من الناحية التجارية لماذا لم توقع مصر حتى الآن على اتفاق الوحدة الجمركية رغم التسهيلات التى تمنحها روسيا لمصر؟ ولماذا تنتظر عاماً كاملاً لتوقع هذا الاتفاق، كما قال وزير التجارة والصناعة المصري فى زيارة لموسكو، خاصة ونحن نعاني من نقص حاد في العملات الأجنبية وعجز فى الميزان التجاري سواء مع روسيا نفسها أو مع العالم الخارجي بصفة عامة، ولماذا أرى حتى الآن من يخشى تعميق التعاون مع روسيا، وأين نحن من تركيا -العضو في الناتو والتي تطمح في الانضمام للاتحاد الأوروبي- بينما فاق حجم التبادل التجاري بينها وبين روسيا ما هو مع ألمانيا فوصل إلى أكثر من 70 مليار دولار؟ ما الذي يمنعنا من العمل فى ظل الظروف الحالية من الدخول مع روسيا فى مشروعات تعدين؟، بدلاً من التدليل على مناجمنا وخاماتنا لمنحها لشركات أجنبية ومستثمرين لاستغلالها بدون مقابل إلا من دفع الضرائب؟، ولماذا لا تطبق على الثروة المعدنية ما يطبق من اتفاقيات فى قطاع البترول القائم على المحاصصة بإقامة المزادات لإعطاء مناطق امتياز على أساس أفضل الشروط؟ ولماذا لا ندخل مع روسيا في مشاريع طاقة كبرى.

ومن الممكن لتفادى أزمة الدولار المستحكمة فى البلدين التعامل بنظام الصفقات المتكافئة المعمول به فى أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وهذا مهم في الوقت الحالي لتفادي سيطرة الدولار في التعامل مع الخارج، على الأقل مع روسيا، كما أرجو عدم التركيز على السياحة، لأنها ببساطة ليست في يد الدولة الروسية، والمواطن في هذا الخصوص تحكمه ظروفه الاقتصادية التي تدهورت بلا شك نتيجة انهيار العملة المحلية.

ماذا فعلنا فيما يتعلق بإنشاء منطقة تجارة حرة مع روسيا؟ في تقديري أن روسيا قدمت كل ما في وسعها للتقارب مع مصر سياسيا واقتصاديا، لكن الجانب المصري لم يستغل بعد المساحات التي أفرغتها روسيا ليملأها الجانب المصري بتكثيف الإقدام على التعاون، رغم أن روسيا أعلنت أكثر من مرة أنها لا تطمح في أن تكون بديلاً للولايات المتحدة بالنسبة لمصر، سواء كشريك سياسى أو شريك تجارى، هل هناك مرونة من جانب روسيا أكثر من ذلك؟!

العلاقات المصرية ـ الروسية في حالة جيدة رغم التعاون الوثيق بين مصر والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتحديات التى تقف أمام البلدين واحدة تقريباً سواء من حيث الضغوط التى تتعرض لها الدولتان، أو مواجهة الإرهاب على أراضيهما، وحجم التبادل التجارى بين مصر وروسيا بلغ 1,6 مليار دولار، بخلاف السياحة وهو ما يجعله يصل لحوالى أربعة مليارات، لكنه رقم متواضع بالنسبة للعلاقات المتجذرة والتاريخية بين البلدين، وفيما يتعلق بالمنطقة الصناعية، التى كان من المقرر إقامتها في برج العرب، لا أدرى لماذا لم يعد يذكرها أحد وخفت الحديث عنها، وكان من المفترض أن تستثمر فيها 15 شركة روسية كبرى بما في ذلك مصنع لتجميع محركات الطائرات.

على صعيد الصراع بين أمريكا والاتحاد الأوروبي من جانب وروسيا من الجانب الآخر.. يلعب انخفاض توريدات الغاز والنفط من روسيا لأوروبا دوراً في تدهور حالة الاقتصاد الروسي، حيث تسعى دول أوروبية كثيرة لاستبدال الغاز الروسي بمصادر جديدة للغاز سواء المسال من قطر أو عبر الأنابيب من إيران أو منطقة بحر قزوين، بل إن الولايات المتحدة، التي تبدو مصممة على القضاء على النفوذ الروسى سياسياً فى العالم وعلى الأخص فى فضاء الاتحاد السوفييتى السابق، تقوم بإغراء دول حليفة لروسيا مثل الهند والصين بالتعاون على أعلى مستوى، ووصلت حتى إلى كوبا العدو التقليدي اللدود للولايات المتحدة منذ ما يقرب من 60 عاماً، وذلك بهدف حصار روسيا سياسياً واقتصادياً، ومنع أي عبث روسي فى المستقبل فى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة مستغلة علاقات كوبا بدول أمريكا اللاتينية، وهو الأمر الذى استشعره الرئيس الروسي فأخذ يعدد الدوائر السياسية والاقتصادية التى تتحرك فيها روسيا، وتحدث عن البريكس وعن منظمة شنغهاي للتعاون وعن العلاقات الجيدة لروسيا بدول شمال أفريقيا في إشارة إلى مصر والجزائر، وتحدث عن الاتحاد الجمركي الذى بدأت رقعته تتسع في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق بعد انضمام أرمينيا إليه، بل وتركيا نفسها رغم عضويتها في حلف الناتو وطموحها في الانضمام للاتحاد الأوروبى، لكن كان نداء المصلحة أقوى.

لكن ذلك لا يعني أن روسيا دولة منهكة بسبب العقوبات كما يقول البعض، بدليل أن الاحتياطي النقدي الروسى مازال عند حوالى 400 مليار رغم الأزمة وانخفاض أسعار النفط، وروسيا لا تعانى نتيجة الحصار الاقتصادى، كما تتوهم ذلك دول الغرب التي تريد دفن روسيا كشريك اقتصادي وتجاري وبالتالي سياسي، بل هى تعاني من انخفاض أسعار النفط وبالتالى الغاز، الرافدان الأساسيان للاقتصاد الروسى الريعي في معظمه –للأسف- أى قائم على بيع المواد الخام، ومما يفاقم الأزمة بالنسبة لروسيا هو التكلفة العالية نسبياً لاستخراج النفط والغاز.

ومع ذلك دعونا نشاهد حجم التبادل التجارى بين روسيا والعالم بعد فرض العقوبات، فقد صدرت روسيا للعالم سلعا بما قيمته 302 مليار دولار وانخفض الاستيراد الروسى بنسبة 4,8% ليصل إلى 169,2 مليار دولار، ونحن نتحدث هنا عن سبعة أشهر فقط من عام 2014، أى أن الميزان التجاري في صالح روسيا رغم انخفاض أسعار النفط الذى كان يعطى روسيا الغلبة التجارية مع أي دولة، ورغم العقوبات فإن أكبر الشركاء التجاريين الصين وهولندا والمانيا، ولنتذكر أن روسيا هى مستودع المواد الخام فى العالم، كما أن صناعات كثيرة فى العالم تعتمد على المعادن والخامات الروسية فى أدق الصناعات.

في ظل هذه الأجواء التي تحيط بزيارة بوتين يتعين على الجانب المصرى أن يدرك أن روسيا تحتاج فى الوقت الراهن الذى تتعرض فيه لحصار غربى إلى دعم من دولة محورية وهامة فى منطقة الشرق الأوسط مثل مصر، التي تحتاج أيضا إلى حليف سياسي خارجي، وهي تتعرض أيضاً لهجوم فى الداخل من منظمات إرهابية عديدة على رأسها الإخوان، وما يشبه الحصار من الولايات المتحدة ودول غربية، حيث استقبلت الولايات المتحدة مجموعة من نواب البرلمان السابقين عن الإخوان المسلمين، فهل هي صدفة أم للضغط على مصر قبيل ريارة بوتين للقاهرة؟! ورغم زيارات الرئيس السيسى سواء لفرنسا وإيطاليا أو غيرها من الدول الأوروبية والاعتراف بالسلطة المصرية الجديدة، إلا أن الغرب يقدم خطوة ويتأخر خطوتين، وربما مازال يأمل فى دور ما للإخوان فى مرحلة لاحقة.

على الصعيد الاقتصادي.. نكرر أن مجالات التعاون بين مصر وروسيا بلا حدود بداية من مكافحة الإرهاب وحتى مجالات الطاقة، وتصدير السلع المصرية واستيراد الماكينات والمعدات الروسية وتجديد المصانع الضخمة التى أنشئت بأيدى روسية مثل الحديد والصلب ومجمع الألومنيوم وغيرها من المصانع التى بنيت فى عصر الاتحاد السوفييتى والتعاون فى مجال الطاقة النووية من خلال بناء محطات توليد كهرباء باستخدام الذرة، ولا ننسى أن روسيا تعاقدت مؤخراً مع الهند على بناء عدد من المحطات النووية فى مشروع ضخم قيمته مئات المليارات من الدولارات وعلى مدى عشرات السنين، ومن الممكن استغلال الظروف الاقتصادية التى تمر بها البلدان لتفعيل نظام الصفقات المتكافئة لتخطى مطبات الدولار الذى يعانى من تذبذبات تجعل العمليات التجارية والصفقات صعبة إلى حد ما، وإن كنت أرى أن روسيا ربما فى طريقها لإحياء فكرة الروبل الذهبى من خلال شرائها لكميات كبيرة من الذهب ربما لخلق ظهير ورصيد لإصدار هذه العملة والتى كان الروبل الذهبى يساوى دولار ونصف، وفى هذه الحالة يمكن لمصر كما كان فى عصر الاتحاد السوفييتى التعامل بالروبل الذهبى متخطية بذلك الدولار.

الآن ونحن نواجه عجزا مائيا نتيجة سد النهضة الأثيوبى الذي بدأ يتحول إلى أمر واقع، يمكننا أن نستخدم الخبرة الروسية فى إنشاء منظومات ري جديدة تساعد على توفير المياه كما فعلت روسيا في مناطق ستافروبول وكوبان فى جنوب روسيا، ولا يجب أن تغفل القيادة السياسية هذا الأمر، حتى فيما يتعلق بالمشروعات التى ما زالت على الورق مثل المثلث الذهبى، والقضية الأهم هى العمل على التعاون فى مجال تركيز الخامات إذا أردنا لمصر أن تستغل ما بها من خامات بشكل صحيح، فلا يمكن تحقيق صناعة تعدين محترمة ومربحة إلا بالاعتماد على تركيز الخامات، بعد ذلك تأتى مسألة التصدير أو استغلال الثروات المعدنية فى الصناعة، سواء في المثلث الذهبى أو غيره من مشروعات التعدين.

وأتمنى مرة أخرى ألا نقع فى فخ أننا نريد مستثمرين بأى ثمن، فنمنح امتيازات ومناطق بحث واستخراج لثروات معدنية تعتبر ناضبة ولا تتجدد لمستثمرين مقابل دفع ضرائب، وأطالب بتطبيق اتفاقيات مشابهة لتلك التى توقع فى مجال البترول. ولدينا مشروع هام وهو استخدام الطاقة الشمسية فى توليد الكهرباء حيث حولت روسيا مقاطعة نائية (ألتاى) ذات المناخ البارد للعمل بالطاقة الشمسية مؤخراً، خاصة المناطق النائية ذات المشروعات العملاقة كالمثلث الذهبى أو مجمع تعدين الفوسفات الذي تستطيع روسيا أن تستغله الاستغلال الأمثل وأنا أتحدث هنا كمتخصص فى مجال الجيويوجيا والتعدين، هذا بخلاف محور قناة السويس ومشاركة الشركات الروسية التى يمكنها أن تقيم مصانع مستغلة الموقع الجغرافي المصرى الفريد، لتقوم هذه المصانع بالتصدير لأفريقيا ودول آسيا والخليج.

تبقى كلمة أخيرة مهما كانت نتائج الزيارة، هي أن تستغل مصر زيارة الرئيس الروسى لأقصى درجة، وجعلها تاريخية من حيث الإنجاز وحجم الاتفاقيات التى توقع فيها، وأتوقع أن تحقق الزيارة نقلة نوعية فى العلاقات بين روسيا ومصر على كافة المستويات، وخاصة السياسى والاقتصادى والأهم على مستوى الحرب على الإرهاب فهي أساس عملية التنمية، وبدون القضاء على الإرهاب لا يمكن تحقيق الطفرة الاقتصادية التى نسعى إليها، وعلينا أن ننسى فترة الستينيات التى كان التعاون فيها على أساس أيديولوجىي، فالعلاقات القائمة على أساس تبادل المصالح أبقى وأفيد، كما يجب كذلك نسيان فكرة الشرق والغرب، فالصين الشيوعية أكبر شريك تجارى للولايات المتحد والاتحاد الأوروبى الرأسماليين، البراجماتية والمصالح المتبادلة تحكم العالم الآن.

nabil rashwan 2

 

 

 

 

 

 

 

د.نبيل رشوان

متخصص في الشئون الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *