من الأفغاني إلى البنا.. رجال غامضون ومشروع بلا ملامح

26-27

من جمال الدين الأفغاني مرورا بمحمد عبده ورشيد رضا وحتى حسن البنا هناك خيط اتصال قوي، على الرغم من فروق واضحة بين المؤسسين الأربعة للإسلام السياسي في مصر، ولأن محمد عبده مصري وضع مصريته فوق كل توجه أممي، ولأن ثقافته وتكامله الشخصي بلغا درجة لم تعرف في الشخصيات الثلاثة الأخرى، فقد اختلف عنهم، بأشد مما اختلف كل واحد منهم عن الآخر، وإن بقي جزءا أساسيا من مشروعهم بقدر ما هو جزء من مشروع الوطنية المصرية في طبعتها الوفدية. وأهم أوجه الاختلاف بينه وبين الثلاثة أنه أخضع تجربته لمتطلبات الظروف المصرية، في حين طارد الثلاثة الآخرون أقواس قزح التي رسمتها طموحاتهم، وركضوا وراءها، متجاوزين الظرف المصري ومتنقلين بين تحالفات محلية وإقليمية ودولية عديدة، أملتها عليهم طموحاتهم، دونما اعتبار لمصالح البلد الذي عملوا فيه، بغض النظر عن أن اثنين منهما كانا من الغرباء: الأفغاني ورشيد. وقبل أن نعرض لأوجه الاتفاق والاختلاف بين القادة الأربعة نسأل: لماذا تبدأ السلفية الإخوانية بجمال الدين الأفغاني وليس بالجنرال نابليون بونابرت؟

أشار المؤرخ الفرنسي هنري لورانز إلى أن بونابرت هو أبو الرطانة التي نعرفها اليوم باسم الإسلام السياسي، عندما قال في محاضرة ألقاها في القاهرة نهاية التسعينات، بعنوان “بونابرت والإسلام.. بونابرت والدولة اليهودية”: “لابد أن ننسب إلى بونابرت الفضل في الدمج المثير بين الخطاب الثوري والرطانة السياسية الإسلامية في بياناته الموجهة إلى المصريين”.. ومن وجهة النظر المصرية يصعب اعتبار بونابرت المحتل والمرواغ ثوريا، والأقرب لمنطق التاريخ أن يروه كما رآه تولستوي في روسيا: المسيخ الدجال، لكن هذا ليس موضوعنا، ما يهمنا هنا هو أن محاولات بونابرت تأسيس مشروع للإحياء الإسلامي، يكون أساسا لتطويع المنطقة الممتدة من البلقان إلى الهند لطموحاته الإمبراطورية، هي أساس ما حاولته بريطانيا، عبر جمال الدين الأفغاني وخلفائه الثلاثة عبده ورضا والبنا، ولهذا يتعين أن نبدأ بجمال الدين وبالقواسم المشتركة بينه وبين خلفائه الثلاثة، وأهم هذه القواسم الغموض، وهو ملمح أساسي في سيرة كل منهم.
اتصلت هاتفيا بالشيخ جمال البنا، الشقيق الأصغر لحسن البنا والأقرب منه إلى المنطق الواضح غير المراوغ، أسأله عن أقاويل تنسب أسرتهما إلى أصول يهودية مغربية، كان ذلك قبل رحيل الرجل بشهور، وقد رد علي بأن هناك من يمد نسبهم إلى آل بيت النبوة، وإن كانوا هم يصرون على مصريتهم، ولأني لم أسمع قبل ذلك أبدا من ينسب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين إلى آل البيت فقد بدا لي فيما قاله الشيخ استخفافا بمحدثه وبالقراء الذين كان يفترض أن أنقل إليهم هذه الإيحاءات، فتجاهلت الموضوع كله، ولم أنشر شيئا منه، وشعرت من حديثي القصير عبر الهاتف مع جمال البنا أن قصة آل البنا “سيناريو مفتوح” يعيد أصحابها صياغتها طوال الوقت وفق احتياجاتهم، وينطبق هذا القول أيضا على الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا.

اختراع سيرة ذاتية

في دراسته المعنونة “الأفغاني وعبده” (1967) يقول المؤرخ إيلي خدوري إن كل ما نعرفه عن حياة الشيخ جمال الدين وتلميذه محمد عبده مصدره هو الرجلان ولا أحد غيرهما، وفي كتابه “عبقري الإصلاح والتعليم الإمام محمد عبده” تجد عند عباس العقاد في تحزبه المعهود والمندفع لكل من يتصدى لرصد ملامح العبقرية فيه، ما يعد تمهيدا، وربما منبتا، لهذا الرأي الذي يراه خدوري في صدقية ما يروى عن حياة الأفغاني وتلميذه، فالعقاد يعلق على اسم الأسرة التي يفترض أن الشيخ محمد عبده ينتمي إليها بقوله “ولا ينبئنا صاحب الترجمة بأصل هذه النسبة – نسبة التركماني – التي اشتهر بها بيته وسمع “المزاحين” من أهل البلدة يلقبونه بها وهو لا يفقه معناها”.
ثم يضيف في فقرة أخرى “أما نسبة صاحب الترجمة لأمه فجملة من نعلمه عنها أنها كانت تنسب إلى بني عدي بالصعيد، وهم منتسبون إلى القبيلة القرشية قبيلة عمر بن الخطاب كما هو معلوم، لكن الأستاذ الإمام يقول إن “ذلك كله روايات متوارثة لا يمكن إقامة الدليل عليها”، وبالطبع، فمن تحدثوا عن نسبة أخوال الشيخ إلى عمر بن الخطاب، إنما حدثوا الناس بما سمعوه من الإمام نفسه أو من رشيد رضا، وتحفظ الإمام الذي ينقله عنه العقاد، هو كتحفظ جمال البنا معي، على ما “قيل” عن انتسابه لآل بيت النبوة!
إضافة إلى ما ذكره العقاد عن أصول محمد عبده من جهتي الأب والأم فقد أوضح كيف أن اسمه هو واسم كل قريب من الأقارب الذين لعبوا دورا في حياته هو اسم له تفسير درامي، خاصة اسم قريبه “بهنس” (تبهنس تعني مشى مشية الأسد) واسم قريبه “الخضر” ذلك الرجل الذي هداه إلى طلب العلم والحكمة.
وقد أشار الشيخ جمال الدين نفسه لنفسه بألقاب عديدة منها الكابولي والاستانبولي والرومي والأسد آبادي لكن أخطرها هو الحسيني، لأنه قد يرجح أصله الشيعي، خاصة وأن مريديه يشيرون له دوما بلقب “السيد”، وأشهرها هو الأفغاني، الذي يعزز به الشيخ ما يزعمه عن سنيته، وإن كان بعض خصومه في استانبول يشير إليه بلقب “المتأفغن”، وعن الألقاب العديدة للشيخ تقول نيكي كيدي:
على الرغم من اسمه، جمال الدين الأفغاني (الأسدآبادي) فهو بالحقيقة من مواليد إيران، لأسرة متدينة تزعم انتسابها للنبي محمد، وشملت تربيته الدينية الشيعية التقليدية قضاء سنوات الدراسة الأولى في الأماكن المقدسة في العراق، ومن ذلك الوقت عاش الأفغاني مرتحلا، يعيش في أقطار مسلمة مختلفة، ناشرا أفكاره المناهضة للإمبريالية”.
وكما اصطنع الأفغاني وعبده سيرة يقدمانها وكأنها اصطفاء من الله لهما وإعداد لأدوار عظيمة، فقد فعل محمد رشيد رضا ما يشبه ذلك عندما نسب إلى الشيخ محمد عبده قصيدة عينه فيها “مرشدا” للمسلمين بعده، وما يدعو للشك في هذا الأمر أننا نعلم أن محمد عبده كان حصيفا بما يكفي لأن يتجنب القول إنه، هو أو غيره، روح نهضة لا تتحقق إلا به أو بمن يعينه خليفة له، كما يفهم من الأبيات التي ينسبها إليه رشيد رضا ومنها:
فبارك على الإسلام وارزقه مرشدا / رشيدا يضئ النهج والليل قاتم
يماثلني نطقا وعلما وحكمة / ويشبه مني السيف والسيف قائم
ولا أحسب المؤرخين يجدون في نص سبق هذه الأبيات، هذا النظم الثقيل السقيم، تكريسا بهذا الوضوح للقب “المرشد”، المشتق من اسم رشيد، الذي ارتبط بدار الدعوة والإرشاد التي أسسها رشيد رضا، ثم بجماعة الإخوان المسلمين، ثم بالقائد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، وكل هذا يبدو أخطر من مجرد خطرات رجل على فراش الموت.
في الأبيات التي ينسبها رشيد رضا لمحمد عبده، يتحدث هذا الأخير وكأنه “عبد الله ورسوله” المسئول عن مصير الإسلام والمسلمين ومن يحدد لهم خليفته الذي يرعاهم بعده، وهذا يحيلنا إلى ما قاله العقاد، في كتابه الذي ذكرنا، عن اسم محمد عبده، بعد أن أعطى دلالات أسطورية لأسماء أسرة الشيخ: “واسم صاحب الترجمة “محمد” هو الاسم الذي يقترن باسم أبيه فيساوق لفظ التحية الإسلامية كلما ذكر النبي “عبده ورسوله”.
إلى أي حد شارك الشيخ محمد عبده بنفسه في تعميق هذا البعد الأسطوري في صورته؟ لا نعلم، لكن الأبيات التي ينسبها إليه رضا وهو على فراش الموت تؤدي وظيفة من هذا النوع، أما “دروشة” العقاد كلما وقع في غرام واحد ممن يتلمس لديهم ملامح العبقرية، فقد يكون نابعا من تثمينه لدور الوطني البراغماتي سعد باشا زغلول، أنبغ تلامذة محمد عبده، ويجب أن نتذكر أن تلاميذ محمد عبده انقسموا فريقين: فريق حضري ديمقراطي تزعمه سعد باشا، وفريق ريفي ثيوقراطي تزعمه الشامي المتوطن رشيد رضا.

الأفغاني والبارونة بلافاتسكي

نعود إلى جمال الدين الأفغاني، لنقرأ في “التاريخ السري للاحتلال الإنكليزي لمصر” ما يقوله ويلفريد بلنت عن أن “الأفغاني وصل إلى الهند في عام 1870 وعمره اثنان وثلاثون عاما”، لكن نيكي كيدي تؤكد أن “الأفغاني وصل الهند البريطانية في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره حوالي العام 1856 حيث قضى عدة سنوات وسط أجواء الثورة على الاستعمار البريطاني”، ورغم الاختلاف بين لنت وكيدمان حول عمر الأفغاني لدى وصوله الهند لأول مرة فإن بلنت يقول عنه شيئا مهما، وهو إنه جاء من الهند لا يملك إلا تعليمه الديني وتأملاته الخاصة، وبالتالي فمعارفه الواسعة وثقافته التي بهرت من عرفوه، كل هذا اكتسبه في الهند البريطانية.
ويرجح الباحث كي بول جونسون، في كتابه “الكشف عن الأساتذة” (الأستاذ هنا، تحديدا، لقب ماسوني) أن الأفغاني التقى في الهند البارونة الغامضة الروسية (أوكرانية المولد) إيلينا بتروفنا بلافاتسكايا وأنه هو من علمها “الكابالا” اليهودية، ويرجح أيضا أن هناك تناغما ما جعل زياراتهما لبومباي والقاهرة وتبليسي وباريس تتم في وقت واحد، ويؤكد أن الأفغاني وبلافاتسكايا كان لهما صديقان مشتركان، على الأقل، هما يعقوب صنوع وصديقته الروسية.
وبلافاتسكايا اسم مهم في تاريخ الحركات السرية النخبويةesoteric المتجاوزة للجنسيات وللإثنيات، وتعد بلافتسكايا مصدرا رئيسيا لأفكار جمعية “العصر الجديد New Age” التي اتهمت بالنصب، وقد طردت بلافاتسكايا من القاهرة أيضا بعد اتهامها بالنصب، لكن جمعية العصر الجديد معادية للاستعمار، وقد عاش الأفغاني معاديا للاستعمار، وهذا يفسر ارتباطه هو ومحمد عبده وأقطاب الحزب الوطني القديم بالدبلوماسي والشاعر البريطاني ويلفريد بلنت المقرب من قيادات الليبراللية الإنكليزية وزعيمها السير وليم غلادستون، وأكبر فشل لهؤلاء جميعا أن حكومة الليبراليين برئاسة جلادستون هي التي احتلت مصر، وأن زميلهم في الماسونية الخديو محمد توفيق الذي ظلوا يكافحون حتى خلعوا أباه وأجلسوه مكانه، هو من دعا الأسطول البريطاني لاحتلال دام أكثر من سبعين عاما.
وقد كان الأفغاني ماسونيا، وأقدم الوثائق التي تؤكد ذلك، وفقا لما ذكره الباحث في جامعة ويسكونسن “آلبرت قدسي زاده” هو خطاب مؤرخ في مايو 1875 يطلب فيه الانضمام إلى أحد المحافل الماسونية في القاهرة، ووفقا لما ذكره محمد صبري فقد كان نائب القنصل البريطاني في القاهرة، الماسوني رافاييل بورج، هو من طلب من الأفغاني ومحمد عبده وآخرين ترك الماسونية الفرنسية والانضمام إلى الماسونية البريطانية، ولم تكن استقالة الأفغاني رفضا لماسونية، فهو يعلن في استقالته أنه فخور بماسونيته، لكنه يرى أن المحفل الذي ينتمي إليه رفض الانخراط في السياسة بسبب الجبن، وأنا أقرأ في العبارة التالية عنصرية جبلي أهوج يتهم الماسونية المصرية بجبن يراه طابعا متأصلا في المصريين:
“كنت أنتظر أن أسمع وأرى في مصر كل عجيبة وغريبة، ولكن ما كنت أتخيل أن الجبن يمكنه أن يدخل بين اسطوانتي المحافل الماسونية”.
وأنا هنا أنقل عن ترجمة خطاب الاستقالة كما جاءت عند الدكتور محمد عمارة الذي قسا على لويس عوض، من دون أن يعرف عمارة أن الأفغاني قدم في باريس، في مارس 1884 طلبا للالتحاق بأحد محافلها الماسونية عندما انتقل للإقامة فيها. والدكتور عمارة تجرأ على لويس عوض الأدرى منه بتاريخ تلك الفترة (أنظر كتاب لويس عوض تاريخ الفكر المصري الحديث) والدليل على قلة دراية عمارة بتلك الفترة أنه استنكر أن يصف عوض اللورد كرومر بأنه المستشار المالي، ويقول عمارة في تعال يتعين الاعتذار عنه:
“ونحن نعلم – وتلاميذ المدارس الابتدائية يعلمون – أن كرومر كان “المعتمد البريطاني” في مصر، وليس المستشار المالي، وأنه لم يأت إلى البلاد إلا بعد الاحتلال بسنوات”.
ويا للفضيحة! يقول اللورد كرومر نفسه في الصفحة الأولى من كتابه المهم جدا “مصر الحديثة”:
“كنت وراء مشاهد الأحداث السياسية في مصر [أي في كواليس السياسة المصرية بلغتنا نحن الجورنالجية المعاصرين] من مارس 1876 إلى يونيو 1880، ومرة أخرى من سبتمبر 1883 حتى اللحظة الراهنة (1907)”.
ولو سأل الدكتور عمارة الدكتور عوض لفسر له اللغز: “جاء اللورد كرومر إلى مصر باسم الميجور بارينج، كمستشار مالي، ليؤلف مع المستشار المالي الفرنسي مسيو دي بيلينيير الرقابة الثنائية الأنكلو فرنسية”، وهذا ما نعلمه وتلاميذ المدارس الثانوية يعلمونه.
الارتباك هنا لا ينشأ عن أسماء أو ألقاب انتحلها موظف بريطاني وهو يتحول من ميجور بارينج إلى لورد كرومر، فالألقاب مرتبطة بالوظائف وكلها بقرارات من حكومة صاحبة الجلالة، الغموض لعبة متروكة لزبائن حكومة صاحبة الجلالة من مغامري الشرق الذين يصطنعون الأنساب ويخترع كل منهم لنفسه، أو تقترح عليه الخدمات السرية التابعة لجلالتها، الماضي الذي يناسب الدور الذي يتطلع إليه، لكن اصطناع الأنساب وتزوير الماضي (كأن يقال عن رجل قتل في ملابسات ترتبط بدوره في جريمة اغتيال رئيس الحكومة المصرية “الإمام الشهيد”) ليسا كل ما ورثه الإخوان المسلمون عن جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، على تباين شخصياتهم، فقد ورثوا عنهم أمورا أخرى منها: أولا، الارتباط ببريطانيا والانطلاق من التراث البروتستانتي للإصلاح الديني، ورؤية العالم الإسلامي من منظور إصلاحي غربي، يقرر طرق “العلاج” لأمراض المجتمع المسلم وفقا للخبرات البروتستانتية في أوربا القرن السادس عشر، وثانيا، الإعداد لتحول سياسي – اجتماعي شامل يمضي بالعالم الإسلامي نحو غاية غير معلنة، ولا يشار لها إلا إشارات عمومية وغامضة، ثالثا، إيمانهم بأن التحول تنجزه نخبة يعدها ذلك الذي يصور نفسه بصورة من اختارته الأقدار، بعيدا عن رقابة الرأي العام، فكانوا يرون – في القرن التاسع عشر، أن فترة تحضير هذه النخبة لمهمتها التاريخية تستغرق خمسة عشر عاما.

تحولات الأربعة

ويبقى الرجال الأربعة مختلفين: فالأفغاني كان أشبه بأبي الطيب المتنبي في كتاب علي بك الجارم”الشاعر الطموح”. تطلع إلى إدارة مسيرة الشرق باتجاه الوحدة والتقدم، وأراد أن يكون ذلك باتفاق مع الليبراليين البريطانيين المعادين للكولونيالية، ولما يئس منهم تحول صديقا لمنافسهم قيصر روسيا.وبالنهاية مات مقطوع اللسان. ويقال إن الطبيب قطع لسانه لأنه كان مصابا بالسرطان فيه . لكن قطع اللسان عقوبة ماسونية معروفة، توقع على الماسوني الذي تحدث لمن لا يحق له الحديث إليه، بما لايحق له قوله. وتقول المصادر الماسونية إن العقوبات البدنية ألغيت عام 1986،أي بعد وفاة الأفغاني، على هذا النحو المؤلم بحوالي قرن من الزمان.

32

البنا في أقصى اليمين والأفغاني في المنتصف ورشيد رشا في اليسار بينما اختفى محمد عبده خلف واحد من الثلاثة الآخرين: الولد أو البنت أو الشايب

أما الشيخ محمد عبده فهو رجل براغماتي يقف على أرض الواقع المصري. ولا يمكن لنا فهم تاريخ محمد عبده، ومن قبله الأفغاني، ومن بعده رشيد رضا، في مرحلتهما المصرية، إلا في ضوء علاقة الرجال الثلاثة برياض باشا. بل ولا يمكن فهم الثورة العرابية إلا في ضوء التناقض بين رياض والخديو توفيق. ولا يمكن فهم “الإصلاحات” الإنكليزية في مصر إلا بدراسة تاريخ رياض ونوبار، وكيف اختلفا عن شريف باشا واسماعيل صديق باشا. وكل هذا يصب في مجرى واحد هو محاولة بريطانيا تفكيك النموذج الذي أرسته فرنسا في مصر، عبر خبرائها المحيطين بمحمد علي وأبنائه،ونقل البلاد من مسار الحركة باتجاه علمانية فرنسية تفصل الدين عن الدولة، إلى مسار الحركة باتجاه علمانية بريطانية بروتستانتية. وقد اشتغل محمد عبده على هذا الهدف بإيمان وطني لا يمحو عنه عار الاحتماء باللورد كرومر، وإن اعتبرنا أنه احتمى بالمحتل البريطاني من غوائل المحتل التركي، فهذا لايجوز لأن الوطنية المصرية لم تشكك قبل 1953بشرعية أسرة محمد علي، على نحو يعتد به.
ووسط اللبس الذي تولد عن علاقة محمد علي بكرومر قام مشروع رشيد رضا في مصر، كامتداد للمشروع الذي تبنته بريطانيا في العالم العربي، بهدف تخليق نسخة مسلمة من الأصولية البروتستنانتية (مصطلح الأصولية هو ذاته بروتستانتي)وتحرك رشيد رضا في أرياف مصر وكأنها بوادي نجد، ثم انتقل أتباعه إلى المدن المصرية بالروح ذاتها، فكانوا أكبر عون لحركة ترييف المدن في هذه البلاد.
ويعد حسن البنا قمة الانتهازية والتخلف، في هذه المسيرة التي بدأت بنزول الأفغاني البلاد، في زيارته الثانية في مطلع السبعينات من القرن التاسع عشر، وقبل ستة عقود من دخول حسن البنا معترك العمل العام، بتأسيسه جمعية الإخوان المسلمين. فقد ارتد البنا عن التعقيد الفكري والمهني الذي ميز رشيد رضا وميز بدرجة أقوى محمد عبده، ليعود إلى حركية الأفغاني وطموحه الشخصي اللامحدود، من دون أثر فكري أو فقهي ذي قيمة.
لكننا نريد أن نقف أمام نقطتين في مسيرة هذا الرجل الغامض:الأولى الطلب المقدم إلى الحكومة المصرية للحصول على موافقتها على مشروع الجامعة العربية. ويضم هذا الطلب قائمة بأسماء عمالقة مثل عبد الرحمن عزام باشا ومحمد صالح حرب باشا وآخرين. وأخر الأسماء هو اسم حسن البنا. وإذا كان حسن البنا ساوم النحاس باشا على سحب ترشيحه نفسه للبرلمان مقابل موافقة الباشا على مشروع الجامعة العربية، فهل كان الترشح، في الأصل، مناورة لصالح هذا المشروع ولصالح الباشاوات المؤيدين له،وكلهم من رجالات عبد العزيز آل سعود؟
ولابد لنا أن نذيل هذه النقطة بإشارة إلى عضوية عزام باشا وصالح حرب باشا، أيام الحرب الأولى وقبل أن يصبح عزام حليفا للسعوديين وخصما للسنوسيين (وهي خصومة لا أجد لها تفسيرا)، في “تشكيلاتي مخصوصة” وهي المنظمة السرية التي أنشأها السلطان العثماني محمد رشاد لمناهضة الحركات القومية، وخاصة العربية والأرمنية. ولو ترجمت اسم هذه المنظمة إلى العربية لوجدته “النظام الخاص”وهو لب جماعة الإخوان المسلمين أو الجزء الذي يعتد به منها. وقد كان البنا يقول: النظام الخاص هو الورشة أما التنظيم العلني للجماعة فهو صالة العرض.
النقطة الثانية تتصل باغتيال أحمد بك الخازندار في مارس 1948 وتعليق حسن البنا على هذا العمل الدموي الذي اقترفه، على غير إرادة منه، قطيع من الذئبان رباهم هو وعمق شراستهم، وربما كانوا هم من قتلوه. علق البنا على هذه الجريمة بعبارة غريبة: ماذا أقول لحسن بك الهضيبي؟ لم يكن حسن بك الهضيبي آنذاك عضوا في الجماعة. لكن هذا يشير إلى أن ظهوره “المفاجئ” بعد وفاة الهضيبي كانت له مبرراته الخفية. قال لي المهندس أبو العلا ماضي يوم استضفته في برنامج كنت أقدمه لفضائية كان اسمها”العالمية”في 2001 إن الهضيبي كان واحدا من جماعة يرجع إليها البنا في كثير من شؤون الجماعة.
كتب الشيخ محمد الغزالى فى كتابه “من ملامح الحق”: إنه “بعد مقتل البنا وضعت الماسونية زعماء لحزب الإخوان المسلمين، وقالت لهم ادخلوا فيهم لتفسدوهم”، وأيا كانت تفسيرات الغزالي لظاهرة القيادات الماسونية في الجماعة، وأيا كان موقفه الحقيقي من حسن الهضيبي الذي اتهمه الغزالي مرة بأنه ماسوني، ثم تراجع عن اتهامه له، فما قلناه يؤكد أن الغزالي أخطأ عندما اعتبر الهضيبي “رجلا غريبا” عن الإخوان. بل إن نشاط الهضيبي ومواقفه يؤكدان علاقته الوثيقة بهذه الجماعة، ويؤكد- خاصة من خلال كتابه “دعاة لا قضاة” – أنه من أقرب عناصرها إلى الاعتدال النسبي، وقديكون ذلك سبب اختيار الدولة له، لتولي منصب المرشد.
لكن ما قاله البنا يوم مقتل الخازندار، وما قاله لي أبو العلا ماضي، قد يعنيان أن الهضيبي، وهو مجرد بك يلعب دورا محليا، ولا يطاول قامات باشاوات لهم حضورهم الدولي والإقليمي مثل عزام باشا وحرب باشا وشكيب أرسلان، كان ضابط الاتصال مع البنا، وهنا نتذكر ما قاله ستيفن نايت عن الدرجة التاسعة والثلاثين في الماسونية، وهي تلك الدرجة التي تبدو لنا، نحن الضالين profanes الذين لم يكتب لنا أن نرى النور الماسوني، وكأنها أرفع الدرجات. يقول ستيفن نايت إن فوق هذه الدرجة على السلم الماسوني درجات أرقى لانراها من الخارج.
فهل تمرد حسن البنا، عند نقطة معينة على هؤلاء الباشوات ومضى بالجماعة إلى حيث لم يكن يريد هؤلاء؟ لقد كانت هذه المجموعة من الكبار وثيقة الصلة بعبد العزيز آل سعود الذي يقال إنه هو من لفت نظر فاروق الأول إلى خطر الجماعة. جاء عبد العزيز لزيارة مصر واستعرض حسن البنا قواته شبه العسكرية أمامه، ليعظم قدره في نظر ابن سعود.فحذر الملك الزائر مضيفه من هذا الجيش الذي يقوده مغامر طموح.
بدأت بذرة التمرد بتمرد الأفغاني الحركي قليل الصبر، يتبعه محمد عبده في فترة الانقياد له، على اسماعيل باشا لصالح “ابن الجارية” توفيق باشا الذي جاء بالاحتلال، ثم طور محمد عبده المسألة أيام عباس حلمي الثاني، فأسس تيارا مناهضا للسلطة المحلية ومحتميا بالأجانب، بدعوى حماية مشروع الإصلاح من استبداد الخديو. ومع رشيد رضا أصبح مشروع الإحياء الإسلامي أداة بدوية وقروية للسياسة البريطانية الإقليمية. وورثت انتهازية البنا هذا كله وانحرفت به إلى مسار باطني لايتبين ملامحه، إن كانت له ملامح، سوى أعضاء دائرة ضيقة، توزعت أعمارهم بين السجون وبين الشتات، بسبب نهجهم التآمري والتخريبي المتكتم.
وفي إيجاز، يمكننا القول إن المشروع الممتد من الأفغاني إلى البنا، رغم المجازات المستمدة من القرون الوسطى، والتي يلجأ إليها ليضفي على نفسه محلية مشكوكا بها، هو مشروع تخلقت بداياته من بقايا هزيمة الثورات التي اجتاحت خمسين بلدا في أوربا وأمريكا اللاتينية، في العام 1848والمعروفة باسم “ربيع الشعوب”. وواصل هذا التيار في القرن العشرين لملمة “مخلفات الحركات السياسية” الشمولية، وغلبت حركية هذا التيار، وانتهازيته، وانشغاله بالتوفيق(التلفيق) بين شذرات الفكر الثوري الأوربي وموروثات الحركات الباطنية القروسطية المسلمة، على ما عداها من مكوناته، فاشتد الميل للعنف، خاصة مع انتشار المذاهب الفاشية، من ناحية، والفوضوية من ناحية أخرى، في أوربا في نهاية ثلاثينات القرن العشرين.

Osama Ghazoly

أسامة الغزولي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *